تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليت شعري، هل حان حين فرنسا اليوم كما حان حين تلك الأمم جميعا، وهل تراها قد دخلت في دور الانحلال والفناء، كما جرى على من تقدمها من الأمم الانحلال والفناء؟

هذا هو السؤال الذي يشغل الهم، ويضطرب بين جوانب النفس.

وأرجو ألا يظن قارئ أن حظ أمة مهما يكن عظيما من العلم والفن والصناعة والمال، وغير أولئك من وسائل العظمة؛ مما يعصمها من هذا المصير، فإنه لم يقض على من سبق من الأمم جهل ولا ركود حس ولا خمود عاطفة ولا شلل أيد ولا إعواز، إنما قضت عليها عوامل أخرى ترجع كلها إلى شيء واحد هو الأخلاق!

وإنما أعني من الأخلاق، أولا وقبل كل شيء تلك الصفات أو الأصح تلك الفضائل، التي تصل بين المرء والمجموع من إيثار المنفعة العامة والتضحية والفناء في النهاية، في هذه المجموع وهيهات لأمة تستحق هذا الاسم أن تكون كذلك، إلا إذا كان مجموع أفرادها كذلك، فإذا أقبل كل على شأن نفسه، وآثر الدعة والتقلب في ألوان الترف، بقدر ما يتهيأ له، وخص بأجل مساعي الحياة النفس والولد! انفرط ولا ريب عقد المجموع وأصبح الأفراد نثارا يغدون ويروحون على وجه الأرض، وهؤلاء لا يمكن أن تعدهم أمة، وإن حصروا في رقعة معينة من الأرض، وإن ضمتهم جنسية واحدة، وإن أخذوا جميعا بقانون واحد أو بطائفة من القوانين!

ونعود فنتساءل: هل كان انهزام فرنسا وإسراعها بالتسليم إلى عدوها انهزاما عسكريا فحسب، أو أن هذا الانهزام والتسليم إنما كان عرضا من أعراض الشيخوخة التي تضرب أعضاء الجسم بفنون العلل والأسقام، والتي لا رجاء معها في قوة ولا احتمال صدام، بل إنها النذير الحق بالموت الزؤام؟

لقد انتصرت فرنسا في حروبها وانهزمت مرات، كما انتصر غير من الأمم وانكسر مرات، ومع هذا فسرعان ما استردت الأمم المقهورة قوتها، ووالت سعيها الحثيث في سبيل الحياة، وذلك بفضل حيويتها وما انطوت عليه من الرغبة القوية في إعزاز الوطن والتضحية بالنفس والولد والمال في سبيل مجدها، وإنكار الذات، بل إفناؤها في المجموع.

وإنما حرك في نفسي هذه المرة ذلك السؤال، وشب فيها كل ذلك الشبوب، ما استشرى في كثرة الفرنسيين في السنين الأخيرة من إيثار الدعة، والإفراط في حب الذات وعد الاكتراث، وقلة المبالاة بالمنفعة الوطنية من قريب أو من بعيد، والظن بالتضحية في هذه السبيل بقدر كبير.

1

وأخيرا فإن علينا ألا ننسى روح النشوز والتمرد التي طغت بنوع خاص على طبقة العمال

2

والشواهد على هذا وهذا وهذا مما يفوت جهد الإحصاء!

ذلك هو السؤال، فهل لي أن أطمع من بعض العالمين في جواب؟

| إصلاح

من بضعة أيام وجه صديقي الكاتب الجليل القدر الأستاذ محمد توفيق دياب في صحيفة الأهرام كتابا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء، وهذا الكتاب يدور حول «الشئون الاجتماعية». ولا أكتم القراء أن هذا الكتاب لم يعجبني فحسب، بل إنني لا أجد حرجا من القول بأنه أطربني؛ لأنه أحسن الترجمة عن خاطر طالما شغل نفسي، واجتاز صدرا من همي.

ولا بد أن يكون كثيرا من قراء «الثقافة» قد قرءوا هذا الكتاب على أنني ألخص موضوعه تلخيصا شديدا لمن عسى أن تكون قد فاتتهم قراءته؛ ليكون حديثنا بعد ذلك بينا، واضح المعارف بين يدي الجميع.

استهل الكاتب بشكر صاحب المقام الرفيع على عنايته الجليلة بالشئون الاجتماعية في بلادنا، حتى أنشأ لعلاجها وزارة خاصة، وبلادنا أشد ما تكون حاجة إلى العناية «بالشئون الاجتماعية»؛ ففي الحق إننا محتاجون من هذه الناحية إلى فنون كثيرة من الإصلاح.

على أنه ذهب في كتابه إلى أن الإصلاح المادي لا يكفي وحده في إدراك الغرض المنشود؛ بل لا بد من الإصلاح الروحي أيضا، ويعني به إعداد نفوس الشعب لتقبله وتجريد العزائم لتحقيقه والمعاونة عليه، وضرب لذلك الأمثال مشتقة من الواقع المشاهد الملموس.

قطوف البشري · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٣١