وهنا يطمئن الشيخ اطمئنانة قصيرة، أرجو ألا تحسبها استراحة من ذلك الجهد العنيف، وإنما هي استجمام للجهد الأعنف، أستغفر الله؛ أرأيت إلى الليث كيف يجتمع للوثاب؟ وكذلك كان الشيخ - عليه رحمة الله - فسرعان ما تراه قد وقف على أصابع رجليه كأنه يريد أن يطول ما لا يطال، ويستأنف الدعاء: «وأدخلنا وإياكم الجنة.» فإذا صارت إلى حلقه كلمة «إياكم» يجعل يرتفع في مد «الياء» ثم يرتفع؛ ثم يرتفع ثم يرتفع، متحديا ما رسم أصحاب الفن لنهايات الأصوات في سموها، إذ الناس شاخصون بأبصارهم إلى السماء لينظروا مشدوهين إلى أي مدى يبلغ الشيخ، حتى إذا جاز هذه الطبقات جميعا، وبلغ «الجنة»، زر حلقه على نونها فعصرها عصرا شديدا، وكأنه لا يتكلف في هذا الجهد المهول شيئا حتى إذا بلغ هذا المدى خيل إلى الناس أنهم والمسجد الذي يضمهم بأرضه وسمائه، وعمده ودككه ومنبره ومقاصيره، قد ارتفعوا كتلة واحدة حتى وصلوا إلى جنة عدنان، ونالوا أعظم ما ينال مؤمن من الرضوان!
ثم يهوي من فوره إلى القرار فيقول: «بمنه وكرمه وجوده، دار السلام بسلام» ثم يعود إلى محلقه فيصيح: «طلع الفجر!» الله أكبر! الله أكبر! ماذا صنعت لعمري أيها الشيخ؟ لقد رن رنة ملأت الآفاق جميعا، حتى لو أنه أطلقها في غسق الليل لانفجر من حلقة الفجر، ولحق على المؤمنين أن يخفوا لصلاة الصبح، وما شاء الله كان!
ثم هتف في صوت هادئ وادع: «فاستقبلوا الآن واستمعوا الأذان بعده ...» ثم أذن للصلاة ...
هذه بعض الأنوار التي كانت تموج فيها ليالي رمضان حسا ومعنى، ولست أحب أن أقارن بين ما كان يكون في ذلك الزمان، وبين ما صارت إليه ليالي رمضان في هذا الزمان، إنما قصدت إلى العبرة في المقارنة بين أضواء ليالي رمضان في عصر الشمع والكيروسين وبين لياليه في هذا العام؛ أي في عصر الغاز والكيروسين والكهرباء.
لا يخيم الليل حتى يكاد يستحيل ما بين آفاق الأرض منجما من مناجم الفحم، ظلمة وسوادا، وعالم كأنما قد غط في المداد، لإعلان أبشع ألوان الحداد.
ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
3
صدق الله العظيم.
وهذا فوق عواء الصفارة، إيذانا بمقدم الغارة.
وبعد، فهذا ما صنعت هذه الحرب، وهو على ثقله كأهون ما تبتلى به الحروب غير المقاتلين في هذا الزمان.
على أننا لا ينبغي أن نبتئس بمجرى القدر في هذا الشهر العظيم فهو شهر الصيام، والصيام كف النفس عن الطعام والشراب، أي: عن غذاءي الحياة بعد التنفس في الهواء، وذلك - والله أعلم - ابتلاء للمؤمنين، وامتحان لمبلغ جهدهم واحتمالهم في طاعة الله، وتعويدهم الصبر على معاناة المشاق في هذه الحياة، فلا يفسدهم طول الترف والتقلب في المناعم والاسترسال في معاطاة اللذائذ، فإن هذا العيش أدعى إلى تكسر النفوس، واسترخاء العزائم وعدم القدرة على احتمال الشدائد، وإن أمة يصير بها الأمن والرخاء إلى هذا المصير، لحقيقة بالتقلص والضمور فالانقراض، والعياذ بالله!
ونحن ذيادا عن الشرف والاستقلال والحرية قد نلقى المشاق وأكثر من المشاق، فمن الخير لنا - لو تدبرنا - أن نمرن النفس من الآن في خوض المشاق ومعاناة الشدائد، حتى إذا كان يوم الردع - لا أذن الله - لاقيناه في رشد وعزم وصدق يقين:
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
4
صدق الله العظيم.
| سعد الرجل
ولست أعني بالرجل من ليس امرأة ولا غلاما أو فتاة، ولست أعني بالرجل كل من يضعون هذه الألوان من الثياب التي ينمازون بها عن النساء في كل مكان، إنما أعني بالرجل ذلك الكفء لأن يحمل هذا الاسم الضخم؛ هذا الاسم النادر في ضواحي الزمان.