تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه فرنسا فلنضربها الضربة القاصمة ولو من الخلف، ولو في ساعة قدر عليها الانهيار، فذلك في تحقيق الحلم الروماني لا ميزان له ولا عيار.

إذن فهلم يا ماريشالات، وهلم يا جنرالات، وهلم يا أمبرالات، وهلم يا سائر الضباط، وهلم يا رجال الفاشت، هبوا هبا للقتال، وامضوا للكفاح وللنضال.

ثم إذا فرنسا تسقط سقوط البقلة الذابلة، وما جرد أصحابنا سيفا ولا شرعوا رمحا، وإذن فلقد عقد لهم النصر على فرنسا العظيمة، وحقت لهم المغانم التي لا يبلغها حصر، وكفلت لهم تونس والجزائر، جزاء هذا النصر الباهر! ولا تنس أن تونس والجزائر تقعان في رقعة الحلم الروماني العظيم!

وهذه اليونان على رمية حجر من مستعمرتنا الجديدة ألبانيا، ولا شك أن اكتساحها بجيشنا الباسل، وسلاحنا الفاتك القاتل وعدتنا المجلجلة وآلات حربنا المزلزلة، لا يستهلك أكثر من أسبوع واحد من عمر الزمن، ولكي تقطع عليها سبيل العذر، فلننذرها في السحر أنها إن لم تجبنا دهمناها عند الفجر!

أما باقي الحلم الروماني فقد عقد الأمل في تحقيقه بسيف داعيكم الماريشال جرزياني وعسكره الذي لم يتهيأ مثله عدة وعددا، لا للإسكندر الأكبر ولا لهنيبال ولا لبونابرت.

إذن فلنفتح مصر حالا، وليسلك منها فورا إلى السودان، والملتقى مع دوق داوست في حدود الحبشة بمشيئة الدوتشي لا بمشيئة الله!

ثم ماذا بعد هذا؟

لقد أبت هذه اليونان الصغيرة الضعيفة لا تفتأ تولينا نكبة بعد نكبة، ولا تألونا كل يوم مائة ضربة وضربة، وكأنما لقطت الأرحام في بلادنا الأولاد ليستأسروا لجنودهم، وكأنما قامت مصانعنا هذه السنين ذات العدد على صب المدافع الثقيلة والخفيفة، وصنع الدبابات والسيارات وسائر أسباب الحرب؛ لنكون مغانم لهم، وهذه ألبانيا تسلم لهم أمنع ما فيها من حصون ومعاقل، كانت أقوى درع لمن وراءها من الكتائب والجحافل!

أما أفريقيا وما أدراك ما أفريقيا! أفريقيا وا خيبتاه، هي مناط الحلم العظيم.

فأما شمالها فهذه لوبيا قد طارت، وهذه بني غازي قد طاحت، وهذا طريق النصر الذي عبدناه لاجتياح مصر، لقد أضحى لنا طريق الهزيمة والفرار! وربما سلمت طرابلس قبل أن يصل إليك هذا الكتاب، وكذلك يخرج عن أيدينا آخر معقل على شط بحر الروم أو بحر الإنجليز؛ لا بحر الطليان على كل حال!

وأما ملكنا الكبير في الأريتريا والحبشة والصومال، فهذا ويفل الجنرال بالكفاية لا بالبذلة العسكرية، هل جاء نبأ النمر الجائع وقد تمكن من فريسة يحمل لها الشر ويضمر الاضطعان؟ ها هو ذا يبقر بطنها بمخلبه، وينهش رأسها بأنيابه، وتارة يضغم كتفها حتى تلتقي أسنانه، ويلعق عظمها حتى يدمي لسانه، وكذلك يمزق ويفل ملكنا كل هذا التمزيق، أو شرا من هذا التمزيق!

أرأيت يا سيدي المختار أن الحلم الروماني إنما كان حقا؟ على أننا نهب اليوم من نومتنا تيك أهول هبوب!

تقول لي في كتابك: إنك لو كنت ماريشالا في رواية تمثيلية لكسرت على الأقل طبقا أو صدعت كرسيا، أو قرضت بأسنانك ستارا! ألا فاعلم يا سيدي أن الله قد عقد لساني في هذه الحرب، ورمى يدي بالشلل وهيهات الفعل أو القول لأشل اليد معقود اللسان!

وأخيرا، فإذا كانت هذه الأهوال الكارثة قد علمتنا - نحن معشر الفاشست - شيئا فقد علمتنا شيئا واحدا، هو أن الحرب ليست جيوشا تزم الأفق، ولو زودت بجميع الفواتك المهلكات من مدافع وبنادق ودبابات، ولا هي أساطيل تزحم نواصي البحار، ولا هي طيارات تسد جو السماء، إنما الحرب أولا وآخرا هي ... رجال!

ولقد أذكرني هذا ما روي عن ذلك الشجاع العربي - يعني عمرو بن معد يكرب - وقد تهادن ابن الخطاب سيفه يعني الصمصامة، وقد طارت لها شهرة عظيمة، فقال له أمير المؤمنين: لقد رأيت الصمصامة ولكنك لم تر اليد التي تشرب بها؟

سيدي المختار!

قطوف البشري · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٢٠