تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد التمست لك وجه العذر يا عزيزي الماريشال، ولا تعجب لأن ألتمس أنا العذر لك أنت، فإنني في دار لا نحس فيها حقدا ولا يجد الضغن إلى قلوبنا سبيلا.

ألم يقل الله تعالى في كتابه الكريم:

ونزعنا ما في صدورهم من غل

1

الآية.

وجه العذر - فيما أرى - أنكم معشر الطليان، أو معشر الفاشت، على الأصح، وقد جمعتم العزم على فتح أفريقيا؛ لتستنقذوها من الجهالة، وتخرجوها إلى نور الحضارة، رأيتم سلفا أن تشهدوا العالم على مبلغ ما أحرزتم أنتم من حضارة وعطف على الإنسان، وليس من شك بعد هذا في أن فعلتك تيك إنما كانت أصدق نموذج - عينة - لحكمكم إذا ملكتم نواحي الأرض، وبلغتم منيتكم في استعادة ملك الرومان !

ولعلك أيها الماريشال الشجاع جدا، ساعة تقدمت بإعدامي على تلك الصورة قدرت أنني لن أتعذب أكثر من دقيقة واحدة، فإنني كنت أجهل مصيري حتى إذا قذفوا بي في الجو خفق قلبي خفقة أو اثنتين ثم استشعرت صدمة هل علمت خطرة البرق؟ ثم لم أدر شيئا ولم أحس شيئا، حتى رأيتني في الجنة بين الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

ولعل هذا مما كان داخلا في تقديرك أيضا، فأبت همتك إلا أن تسدي إلي هذا الجميل أجزاك الله عني أعظم الجزاء!

هناك يا صديقي سؤال يضطرب في صدري ولا يجد له متنفسا من جواب: لقد كنت أعلم وأنا من أهل الدنيا وازددت يقينا حين صرت إلى الآخرة أن السيد المسيح - عليه السلام - كان أكبر مظاهر رسالته الرفق والرحمة، والمحبة والسلام، والعفو عمن جنى والصفح عمن أساء، ولقد كان عليه السلام، أول رسول لم يؤيد بمعجزة من عصف أو خسف، وإغراق أو دمدمة، أو ريح عاصفة، أو رجفة قاصفة، وإنما كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتي بإذن الله. وليس وراء هذه الرحمة رحمة، وليس أبلغ من هذا في باب العطف على الإنسان، فهل من الفضائل المسيحية التي تتشادق بها أنت ومعشرك، والتي تزعمون أنكم ما شهرتم هذه الحرب على خصومكم إلا لتسودوها في العالمين - هل من هذه الفضائل أن تمثلوا بشيخ مثلي هذا التمثيل، وتقتلوه بصورة لم تعهد في تاريخ التذبيح والتقتيل؟

لا والله! لقد برئ منكم المسيح الرحيم النبيل، وبرئت منكم التوراة والإنجيل!

وبعد، فاعلم يا هذا الرجل ولعلك الآن إن شئت تعلم، اعلم أن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وهو للظالمين بالمرصاد وإنه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

ولقد أملى لك وأمهلك وما أمهلك ولا أملى لك، إلا ليزيد لك في العقاب، ويضاعف لك العذاب ففسح لك في الأمل، وأدنى منك كرائم المنى وقطع في نفسك جميع علائق الشك في أن ستكون الغازي الفاتح الذي يرد لقومه ملك الرومان القديم في غير مشقة ولا جليل عناء، حتى خلت نفسك كذلك، وتسلقت الزهو به، وتقبلت الهناء عليه.

نعم، لقد أذنت وأذن معشرك لا في بلادكم وحدها، بل في جميع رقاع العالم، بأن مصر والقناة التي تسلكها بين البحرين، وأن السودان من قسمكم، كما أضحت الحبشة والصومال والأريتريا من حر ملككم، لا ينازعكم على ذلك منازع، ولا يستطيع أن يدافعكم عن شيء منه مدافع، ولقد سكنتم إلى هذا واطمأننتم إليه، وخلتم أنكم قد فرغتم من الشغل به وما لكم تشغلون البال بما حصل في أيديكم، ومكنت لكم القوة الساطية منه تمكينا؟

أمهلك الله وقومك وأملى لكم، حتى بلغتم من حسن الظن بالأيام هذا المدى، أليس أعداؤكم الإنجليز قد خشوا بأسكم فسبقوا إخلاء وجه الصومال لكم، كما خلوا بينكم وبين السلوم وسيدي براني، فاحتللتموهما في غير جهد ولا قتال؟

إذن لقد تم الأمر لكم، فأنتم ولا محالة بالغو قصارى مناكم في يسير من الزمان، حتى لقد واعد كثير من جندكم خطيباتهم قضاء شهر العسل، بعد أسابيع أو بعد أيام على ضفة النيل، والنعيم في واديه الجميل.

ثم ما فعل الله يا ماريشال بإمبراطورية الرومان؟

قطوف البشري · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١٧