تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فلعمري، ما مشى النصر بين أيديهم أنى قاتلوا في شرق الأرض وفي غربها، بالغا ما بلغ من الضآلة عددهم، وواقعا حيث وقع من الضعف سلاحهم، إلا بأسباب ثلاثة: (1)

الإيمان. (2)

الرحمة. (3)

العدل.

فالإيمان ييسر على النفس التضحية مهما جلت، بل لقد يغري بها ويدفع بها في المطلب الجسام.

ولا تنس أن من أثر الإيمان بناء النفس على الصبر عند معاناة الشدائد وخوض المكاره، فإن إصابة الغرض الذي يدفع المجاهد إليه إيمانه لحقيقة بأن تحد من عزمه، وتشد من متنه فلا يعتريه خور ولا خذلان، وأنت خبير بأن الصبر هو مفتاح النصر، وصدق من قال: الشجاعة صبر ساعة، والأمثلة على هذا مما لا يحيط به الحساب!

وبعد هذا أحسب أن العجب قد أخذ فيك بادئ النظر، من نظم الرحمة والعدل في أسباب الظفر في الحروب والتنكيل بالأعداء، والواقع أنهما قد يكونان أمضى من السيف في كسب الحروب، وذلك بأن القسوة وغلظة الكبود لا تجدي على المقاتل شيئا البتة؛ بل إن شهرته بين مقاتليه بالرأفة إذا تمكن والمعدلة إذا حكم، لمما يخذلهم عن الاجتهاد في قتاله، ويشيع فيمن وراءهم قلة الاستحماس لهم وثقل القادرين على القتال عن نجدتهم، بل لقد يرجون النصر لهذا العدو ليخرجوا من ظلمهم، وينعموا في ظلال حكم ملائكة الرحمة والرقة والعدل والإحسان.

وكذلك ساد العرب الدنيا، وما هداهم إلى هذا إلا دينهم العظيم ...

والشواهد على هذا في حروب المسلمين مما لا يبلغه كذلك الإحصاء.

وبحسبنا أن نورد في هذا الباب مثلين يسيرين، أولهما: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في وصاة له لأسامة بن زيد قائد أحد جيوشه ولأصحابه، وهم مرتحلون إلى الحرب التي وجههم إليها: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تملثوا،

2

ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تتبعوا موليا، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ... إلخ.»

أسمعت حديثا في المرحمة بالعدو المقاتل والرقة له أبلغ من هذا الحديث؟

ذلك بأن الإسلام لا يبغي بالحرب كيدا ولا شفاء ضغن! إنما يبغي بالحرب أعلى المثل، فإما دفع أذى، وإما بسط حق والخير والفضيلة في هذا العالم.

قال الله تعالى يخاطب رسوله الكريم:

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .

3

صدق الله العظيم.

ولقد قال تعالى في كتابه العظيم:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون .

4

وكيف ظنك بدين يأمر بالإحسان حتى في القتل! قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة.»

أما التمثيل حتى بالحيوان فقد أغلظ هذا الدين في النهي عنه، واشتد في الوعيد عليه، فقد روي عن النبي

صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: «من مثل بحيوان فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.»

وتلك كانت سنة الغزاة والفاتحين في صدر الإسلام.

وإن تعجب فعجب أن يكون ذلك أدب الإسلام في عصر كان من السائغ المألوف فيه سوم المحكومين المقهورين ألوان الخسف من إهدار الدماء، وتخريب الدور، واستصفاء الأموال، في غير جرم يقترف أو إثم يجترح، حتى كاد يكون ذلك شرعا مشروعا وواجبا مفروضا!

وأما المثل الثاني فأجلوه لك في حادثين مأثورين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهذان الحادثان معروفان شائعان، وما كنت لآتي بهما لولا أنه قد اقتضى الإلمام بهما نظم المقال، وأولهما ما حكي من أن جبلة بن الأيهم، وكان آخر ملوك بني غسان، أسلم وخرج إلى مكة، فلما كان في بعض طوافه داس رجل من فزارة على طرف ردائه فحل أزراره فلطمه جبلة، فاستدعى الرجل عليه عمر، فدعا به وخيره بين أن يترضى الرجل أو يقيد له منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: ولكن الإسلام سوى بينكما!

قطوف البشري · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١٥