وما أبدع روائع النفاجين،
3
ما روي أن عاملا في روسيا في مصنع لتقديد اللحم، لقي فرنسيا يعمل في بلاده في مثل هذا المصنع، فجعل كل منهما يكاثر بمصنعه ويهتف بعظمته وقوة آلاته حتى قال الروسي: إن مصنعنا تساق إليه قطعان الخنازير من هذه الناحية فلا تلبث بضع ثوان حتى تخرج من الناحية الأخرى لحوما مقددة مصففة في العلب، عليها اسم المصنع وشعاره!
فقال الفرنسي: وما هذا؟ فإن مصنعنا ليزيد على ذلك بأنه إذا خرج بعض العلب فاسدا ردت ثانيا، فخرجت من الناحية الأولى خنزيرا حيا سويا!
ومثل هذا ما قيل من أن فرنسيا أقبل على صاحبه الروسي، وجعل يحدثه عن شدة البرد في بلاده، قال: خرجت في يوم من أيام الشتاء إلى إحدى الغابات فاعترضني أسد فأسرعت وتسلقت شجرة باسقة، وجلست على رأسها، وكان خنجري قد سقط عند أصلها، وظل الأسد رابضا إلى جذع الشجرة في ارتصادي وترقب افتراسي، ومن شدة الخوف قطر مني ماء ما لبث أن انعقد من عظم البرد قضيبا ثلجيا، فتناولت به الخنجر وتدليت فشققت به صدر الأسد!
فقال له صاحبه الروسي: وما ذاك؟ إن هذا ما يكون عندنا في وقدة القيظ، أما إذا كان الشتاء وخرج الناس في الصباح الباكر لطياتهم، أقبل بعضهم على بعض بالتحيات المعتادة، ولكن الكلام ينعقد على شفاههم فلا يهجس منه حرف واحد، فإذا طلعت الشمس وخفت حدة القر، رأيت آفاق الجو كله تتصايح ب «صباح الخير - أسعد الله صباحك - أرجو أن تكون بعافية - صحتي جيدة وأنت - إلى أين - الحمد لله - صاحبك التوفيق ... إلخ.»
وبعد، فلقد كنت أحب أن أتحدث عن عباقرة الفن الحديث ممن أدركناهم وممن لا يزالون قائمين في الحياة وأعرض لخواص فنهم وأشهر ما جادوا فيه من الطرف، لولا أن الكلام قد طال، فإذا كان في العمر فسحة فلعلنا موفقون إلى هذا في أبريل المقبل إن شاء الله.