تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والآن أستطيع أن أزعم أن الشيخ علي يوسف - على أنه تعلم في الأزهر، وقرأ طرفا من كتب الأدب، واستظهر صدرا من مظاهر البلاغة في منظوم العربية ومنثورها - لم يكن مدينا في بيانه لشيء من هذا، بقدر ما كان مدينا لشدة روحه وسطوة نفسه، وإنك لتقرأ له المقال يخلبك ويروعك، وتشعر أن أحدا لم ينته في البيان منتهاه، ثم تقبل على صيغه تفتشها وتفرها، فلا تكاد تقع على شيء من هذا النظم الذي يتكلفه صدور الكتاب، وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوبا، أو على الصحيح لقد خط قلمه القوي نهجا من البلاغة غير ما تعاهد عليه الناس من منازع البلاغات.

ولندع الآن بيان الشيخ علي وأثره، فلذلك موضع آخر من هذا الحديث، ونعود إلى تاريخ الرجل فنقول: إنه ما كان يستوي له ذلك القدر من الأدب حتى أنشأ مجلة دعاها «الآداب»، وهي وإن لم تكن شيئا يذكر بالقياس إلى المجلات الأدبية القائمة الآن، لقد كانت شيئا مذكورا بالقياس إلى المجلات التي كانت قائمة في ذلك العهد، وخاصة بعد إذ عفى الزمن على مجلة «روضة المدارس» التي كان يقوم على تحريرها وإجالة الأقلام بروائع البيان فيها صدور العلماء والشعراء والكتاب.

المؤيد

وإذا قلت «المؤيد» قلت شطر من تاريخ مصر محتفل بالأحداث العظام راع أهل الرأي في مصر أن ليس لهذه الأمة - أعني للمسلمين وهم كثرتها الكثيرة - صحيفة تتحدث عنها وتدلي بحاجاتها، وتترجم عن أمانيها، وتذود عن حقوقها وكرامتها، وإن أمة ليس لها في هذا الزمان صحيفة، لهي أمة لا تحس لنفسها وجودا، ولقد قوي الشعور بشدة الحاجة إلى صحيفة وطنية إسلامية بعد إذ صدر المقطم صحيفة تظاهر الاحتلال الإنجليزي، وتروج للسياسة الإنجليزية في هذه البلاد، وتدفع في صدر الأماني القومية ما اعترضت تلك السياسة في يوم من الأيام، وهنا يتقدم الشيخ علي مع صاحب له يدعى الشيخ أحمد ماضي، فينشئان جريدة «المؤيد» يومية سياسية وطنية إسلامية، ثم لا يلبث الشريكان أن يختلفا، ولا يخرج أحدهما عن الشركة إلا على مال، والمال في يد الشيخ علي أقل من القليل، وهنا تحركت أريحية بعض كبار المصريين، فأدوا المال عن الشيخ إلى صاحبه، وهكذا خلص المؤيد للشيخ علي يوسف، وكان للمرحوم سعد باشا زغلول في هذا سعي مشكور.

وأذكر أنه لما أتى رحمه الله بمطبعة جديدة من طراز «الروتاتيف» وعقد لذلك حفلا جامعا في إدارة «المؤيد»، خطب في الجمع فأتى في سيرة المؤيد على هذه الحادثة، ونوه بفضل سعد بك زغلول «المستشار بمحكمة الاستئناف» الذي أبى أن يسمع هذه الخطبة إلا واقفا.

وجرى المؤيد طلقا، والله يعلم كم عانى الشيخ علي في إخراجه فردا لا مسعد له من معين أو من مال، الحق أن الرجل قد جاهد في هذا جهاد الجبابرة، وعانى عناء لو صوره القلم على حقيقته لظنه الناس من إحدى القصص التي تمثلها أخيلة الكتاب، وهكذا لم يمض زمن طويل حتى جنى ثمرة الصبر العجيب

إن الله مع الصابرين

صدق الله العظيم.

مضى «المؤيد» يحرره الشيخ علي يوسف، ويرفده بالمقالات البارعة أعيان أهل الرأي والعلم والأدب في البلاد، من أمثال المرحومين: الشيخ محمد عبده، وسعد بك زغلول، وقاسم بك أمين، وفتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف، وكثير غيرهم من أصحاب البيان، وكانوا يسرون أسماءهم في الأحاديث السياسية بوجه خاص، فذلك مما لا تأذن به المناصب الحكومية بحال، وكذلك أضحى المؤيد مجالا لأفحل الأقلام وأنضج الآراء، بل لقد أضحى المدرسة التي تخرج عليها من شهدوا الجيل الماضي من أعلام البيان.

ويسير المؤيد، ويذهب صيته لا في مصر ولا في العالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي كله، فلقد أصبح لسانه المعبر أفصح تعبير عن حقيقة حاله، والمترجم أنصح ترجمة عن آلامه وآماله، ومتحدث أخبار المسلمين وراويها، وملتقى أفكارهم في قواصي الأرض وأدانيها:

المختار · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٨٩