تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد هذا تركني وكفاني عبثه، فرجعت إلى نفسي فإذا كلي حاضر: إدراك تام، وشعور واف، ونفس وادعة، وعصب مطمئن، وطرف أوجهه حيث أشاء، فيعود إلي بألوان الصور كاملة واضحة، وكأن الفزع من رؤية الغراب، ذهب بالفزع من ركوب الطيارة، وهكذا تداوينا من الفزع بالفزع، وصح فينا قول الأعشى:

وأخرى تداويت منها بها

وقول أبي نواس:

وداوني بالتي كانت هي الداء

وتلك عندي يد للغراب لا أنساها له على تطاول الأيام!

على أن شيئا واحدا حير حسي، وأدخل علي الشك في صحة إدراكي: ذلك بأنني ما شعرت قط بأن الطيارة هي التي تسير، بل إنني لا أراها إلا ثابتة لا يتحرك منها إلا المحرك، ولكنني أنظر إلى المقياس فإذا هو يحدث أنها تجري في سرعة سبعين ومائة كيلو متر في الساعة، ثم ثمانين ومائة، ثم تسعين ومائة! ثم أرخي نظري إلى الأرض، فإذا هي التي تدور في اتجاهنا، ولكن في تثاقل وشدة هوادة، حتى يخيل إلي أن ما نقطعه منها أو ما تقطعه هي منا لا يدرك كيلو واحدا في الساعة!

ثم علونا وعلونا، فأشار صاحبي إلى قطار من قطر «السكة الحديد»، فإذا هو في لطف جرمه، ودقة حجمه، لا يكبر هذه القطر التي يتلعب بها أبناؤنا الصغار!

أما الأرض فكان مرآها عجبا من العجب: هذه رقاع سندسية خضراء، لا تزيد مساحتها على متر في متر، يفرق بينها فراغ أدكن طويل في مثل عرض الأصبع، هذه هي الترع، أو السكك الرئيسية، وتلك هي «الغيطان»، وكلما أمعنا في الارتفاع ازدادت هذه كلها دقة ولطفا، حتى لقد خيل إلي في بعض الوقت أننا إنما نتشرف على خريطة جغرافية كبيرة، لا على هذه الأرض، ذات الطول والعرض!

ولقد جزنا بالنيل مرتين، ولقد أذكر أنه بانت لنا جزيرة صغيرة في وسطه، وحسبت أنني أستطيع أن أتناولها من الشاطئ بخطوة واحدة، وأتناول الشاطئ الآخر بالأخرى! إيه! ما أصغر هذه الأرض في عيوننا، وما أهونها على أنفسنا نحن معشر سكان السماء!

ما أحلى منظر هذه الأرض وما أبدعه من عند السماء! هي رقعة شطرنج جميلة، إلا أنه لا يملك منها اتساق التقسيم ولا تشابه الأجزاء، ولا هي تقتصر في تلونها على البياض والسواد: هذه رقعة خضراء مربعة، وهذه أخرى تستوي في مثلث غير مستوي السوق ، وهذه رقعة مستطيلة تحسبها فرشت «ببركيه» جديد لم تمسه بعد يد الصقال، وهذا إطار جميل يعتدل ثم يتثنى، ويستقيم ثم يتلوى.

وما برحنا في شغل من تقليب النظر في هذه الطبيعة، وكأننا جالسون في أحد رواشن الدور، تجوز من دوننا مظاهر الابتهاج والسرور!

ولعلك الآن مستشرف إلى مطالعة شعوري في هذه الساعة، وإني لمباديك به غير متزيد ولا غال: كنت أستمتع بمثل نعيم الجنة لم يلقني في طريقها موت، ولم يعنني في سبيلها حساب!

وإن شئت وصفا يتصل بأحاسيس هذه الدنيا، فليس عندي ما أجلو عليك من فنون التشبيه إلا أن أحيلك على الحلم اللذيذ في النوم المطمئن الهنيء، تتوافى لك فيه أسباب المنى وما في يديك منها كثير ولا قليل!

ثم دخلنا في الصحراء، وكلها شيء واحد لا يرجع إليك طول النظر فيه إلا بالضجر والملال، فجعلنا نتشاغل بالحديث وبالقراءة بعض الحين، وعاد حسني، وحسني دائما، فقال لي: أتحب أن أشير على السائق بأن يعمل «شوية شقلباظ!» فتتمتع بهذا اللون من الطيران قبل النزول؟ فشخصت إلى الأستاذ علوي، وفي عيني ما لا يخفى من سؤال وضراعة، فتجمع في كرسيه، وقال في جد لا أثر فيه للعبث: لكما يا صاحبي أن تمزحا ما طاب لكما المزاح، وإني لأدخل معكما في بعض هذا كيفما شئتما، ولكن لا سبيل إلى مزاح مع طيارة ولا مع طيار! فتحولت إلى الشقي، وقد قلمت أظافره، وقلت له في لهجة الظاهر

13

المنتصر: «طيب انبط بقه!»

وتراءت لنا من بعيد صفحة البحر، فتداخلني كثير من الهم معه يسير من الفزع، أما الهم فلأن هذه الرحلة البديعة قد آذنت بانتهاء، وأما الفزع فلما كنت أعلم من أن الطيارة تترجح في مهبطها حتى لتستوي في بعض الحين على جنبها، وعلى هذا تمكنت في مجلسي، وشددت بيدي على حافة كرسي حسني، ولبثت أنتظر، وأنشأت الطيارة تتدلى، ولولا أنني أرى عقرب المقياس يتدلى ما شعرت أن الطيارة تتهابط، ومال علي حسني وقال: لا يرعك أن الطيارة ستميل ميلا شديدا عند مهبطها ، وهذا ما لا بد منه لنزولها، فقلت: فلتمل كيف شاءت، فليس بيننا وبين الأرض إلا مائة متر أو دون، وحدثتك أنني كنت قد جمعت شملي للتحرف لهذا الميل؛ على أنه لم يرعني، وأنا في فترة هذا الانتظار، إلا أن يهتف بنا من الركب هاتف: أن تفضلوا! وأنظر فإذا نحن على الأرض، وإذا الباب يفتح، وإذا الركب يتدلى!

المختار · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٧٣