تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تعود فتلح علي في أن أصور لك هذا اللون من الحب تصويرا صادقا واضحا حتى تشعر بأن لك أولادا تحس حبهم وتتذوقه كما يحسه ويتذوقه الآباء! •••

أما بعد، فلقد سألتني شططا وجشمتني عسيرا، بل ما أراك تجشمني من الأمر إلا محالا! فكيف لي بأن أصف لك ما لم يقع قط عليه حسك، وأن أجلو على نفسك من ألوان العواطف ما لا صلة لها به ولا سبب، وإن مثلك في هذا لكمثل من يستوصف طعم الكمثرى، أو لون البنفسج، أو نغمة العراق، أو رائحة الياسمين؛ ليدركها إدراك من قد طعم أو رأي أو شم أو سمع! اللهم إن هذا الذي تجشمني يا سيدي ليس في طوقي ولا في طوق اللغة؛ فإن هذه المعاني التي لا تدرك إلا بالحس، لا يمكن أن يغني في تذوقها الوصف!

بل إنني وإياك لقد نشترك في الشعور بمعنى من هذه المعاني، ولقد تترقرق في نفوسنا بإزائه عاطفة واحدة، ومع ذلك يعيي علينا كلينا البيان في جلوها والترجمة عنها، فإذا بدا لأحدنا في أي وقت أن يذكرها لصاحبه لم يزد على أن يشير إليه بأن يبعثها في نفسه ويستحضرها استحضارا، وتلك لغة الإحساس.

اللهم إن جهد اللغة في هذا الباب أن تقرب هذه المعاني، لمن لم يسبق له أن يحسها ويلابسها، بفنون التشبيه والتمثيل: كأنه يقال: إن طعم كذا شبيه بطعم كذا، أو إنه بين الحلو والحامض مثلا، وإن عبير هذه الزهرة شبيه بعبير ذلك النوع من الزهر لولا أنه أشد أو ألطف مثلا، وكل ما يمكن أن يعطي هذا - مهما يعل بيان الواصف ومهما يدق وينفذ - إنما هو صورة تقريبية، أما أن ينفضه بالبيان على الحس حتى كأنما يذاق حقا فذلك مما يوصل بالمحال!

وأنت ترى أنه لا سبيل حتى إلى جلو هذه الصورة التقريبية الناقصة لشيء من هذه المعاني إلا بردها إلى شيء سبق أن وقع عليه الحس ولابسه الشعور. •••

على هذا سأتحدث إليك يا سيدي، عن حب الولد، سأتحدث إليك وأنا واثق أتم الثقة بأنني عاجز أشد العجز عن أن أنفض عليك كثيرا من هذا الشعور الذي تنطف به كبدي، فيشيع في جميع نفسي، ولقد تعلم أن كلمة الحب تنطوي على ألوان من الحس كثيرة قد تقترب اقترابا شديدا، وقد تفترق افتراقا شديدا، ومهما يكن من هذا الافتراق وذلك الاقتراب، فإن للحب في كل موضوع كيفا خاصا وشعورا مستقلا لا يشركه فيه سواه، فللحياة حب، وللجمال حب، وللذات حب، وهكذا، على أنك تحس لهذا الضرب من الجمال غير ما تحسه لذلك الضرب من الجمال، وتشعر لهذا اللون من اللذة غير ما تشعر لذلك اللون، إذن فاعلم أن حب الولد غير أولئك جميعا.

حب الولد غير حب الزوج، وغير حب الوالدين، وغير حب الإخوة وأبنائهم؛ هو حب له طعم لا تذوقه في شيء من كل أولئك، هو مزج من الرحمة والحنان، ومن السعادة والجمال، ومن الطرب والشجى، ومن الطمأنينة والقلق، ومن الأثرة والإيثار، ومن الخوف والرجاء ، هو مزج من هذا كله مختلط، يموج بعضه في بعض، فيخرج له ذلك الطعم الخاص الذي لا يكون إلا بمجموع هذه المعاني، وإن كان أظهر عناصره الرحمة والحنان.

لعلك يا سيدي قرأت قول الشاعر العربي:

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لعلك قرأت هذا البيت مرة ومرة، ولو قد قرأته ألف مرة ما خرج لنفسك منه شيء مما يحس له صاحب الأولاد!

نعم، هؤلاء هم أكبادنا، ما غابوا عنا إلا شعرنا بنقص في نفوسنا، بل بأحسن ما في نفوسنا، حتى يردوا علينا؛ بل إنه ما اجتمع بهم شملنا إلا شعرنا بأنهم قطع قد فصلت عن نفوسنا، ولو قد تهيأ لنا أن نحسوها حسوا لنملأ بها هذا الفراغ الذي نحسه فيها لفعلنا!

ابني معناه أنا، ولست أريد «بأنا» كلي، بل إنما أريد به عصارة ما في من عطف ورحمة، وأمل وشعور بأسعد السعادة وأجمل الجمال! ليس لحم ابني ولا دمه وعظمه إلا هيكلا لكل هذا، بلى ليس إلا رمزا بل ليس إلا هذه المعاني قد تجسدت فسويت على صورة الإنسان، بل إني أكاد لا أراه إلا تلك المعاني مترقرقة لم تمسكها صورة الإنسان! •••

المختار · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٥٦