تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم خذ صورة للمرحوم الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، تجده بها حيا ناطقا، وتستطلع طلع الحقيقة فيه محللة تحليلا يعرف مكانه من الدقة من عرف ذلك الكاتب القدير الذي تصرف في اليسير من مادة اللغة بأحسن مما يتصرف غيره في الكثير، فأحدث من بالغ الأثر في نفوس قارئيه ما تنطق به هذه الشهادة له من أديب لا يشق له غبار في معرفة اللغة كالأستاذ صاحب هذا الكتاب، قال:

وفي هذا المقام يجدر بي أن أنبه إلى شيء جدير بالانتباه: ذلك أن حسن البيان وجودة المقال لا ترجع في جميع الأحوال إلى تمكن الكاتب من ناصية اللغة وتفقهه في أساليبها، وبصره بمواقع اللفظ منها، واستظهاره لصدر صالح من بلاغات بلغائها، إلى حسن ذوق ورهافة حس، بحيث يتهيأ له أن يصوغ فكرته أنور صياغة، ويصورها أبدع تصوير، بل إن ذلك ليرجع في بعض الأحوال، وهي أحوال نادرة جدا، إلى شدة نفس الكاتب وقوة روحه، فقد لا يكون الرجل وافر المحصول من متن اللغة، ولا هو على حظ كبير من استظهار عيون الكلام، ولا هو بالمعني بتقصي منازع البلاغات، ومع هذا لقد يرتفع بالبيان إلى ما تتقطع دونه علائق الأقلام، ذلك لأن شدة نفسه، وجبروت فكره، تأبى إلا أن تسطو بالكلام فتنتزع البيان انتزاعا، ولعل في بيان السيد جمال الدين الأفغاني وهو غريب عن العربية، وقاسم بك أمين وهو شبه غريب عنها، أبين مثال على هذا الذي نقول، ولقد يعجب القارئ أشد العجب إذا زعمت له أن المرحوم حسين رشدي «باشا»، وكان رجلا قل أن تطرد على لسانه ثلاث كلمات عربية متواليات، قد كان أحيانا يرتفع بالعبارة إلى ما يتخاذل من دونه جهد أعيان البيان!

والآن أستطيع أن أزعم أن الشيخ علي يوسف، على أنه تعلم في الأزهر وقرأ طرفا من كتب الأدب، واستظهر صدرا من مظاهر البلاغة في منظوم العربية ومنثورها - إلا أنه لم يكن مدينا في بيانه لشيء من هذا بقدر ما كان مدينا لشدة روحه وسطوة نفسه، وإنك لتقرأ له المقال يخلبك ويروعك، وتشعر أن أحدا لم ينته في البيان منتهاه، ثم تقبل على صيغه تفتشها وتفرها، فلا تكاد تقع على شيء من هذا النظم الذي يتكلفه صدور الكتاب، وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوبا، أو على الصحيح لقد خط قلمه القوي نهجا من البلاغة غير ما تعاهد عليه الناس من منازع البلاغات.

ثم إليك صورة للمرحوم محمد المويلحي، أعجب ما فيها إبانتها عن سر فلسفته الخاصة في حمله على نفسه وصبره على مضض الأيام، موفقا في ذلك بين مذهبه الفكري وسيرته العقلية في الحياة، قال الأستاذ:

ومن أهم ما يلفت النظر في خلاله أنه كان أقل خلق الله تأثرا بما يغمر المرء من متعارف الناس ومصطلحهم في عاداتهم وتقاليدهم وسائر أسبابهم، بل لقد كان له نظره الخاص في الأشياء، وكان له حكمه الخاص عليها، وهو إنما يأخذ نفسه بما يصح عنده من هذه الأحكام، لا يبالي أحدا، ولا يتأثر، كما قلت، بأثر خارجي ولو كان مما انعقد عليه إجماع الناس، وإذا كنت قد نعته «بالفيلسوف» فإنما أعني هذه الصفة فيه؛ فإنني لم أكد أرى رجلا لاءم كل الملاءمة بين رأيه في أسباب الحياة، وشدة تحريه أخذ النفس بأحكام هذا الرأي، كما بان لي من خلة هذا الرجل بحكم ملابستي له السنين الطوال.

إلى هنا انتهيت بك أيها القارئ الكريم من الطواف عاجلا بأقسام المتحف، وليس يذهب عني أنني لم أزدك شيئا على ما يعطيك عامة الأدلاء في المتاحف من الإرشاد الساذج الناقص، إلى مواضع مختلفة من مواقع الجمال والجلال.

فانصرف الآن موفقا إلى تروية نفسك من اللذائذ الذهنية التي توحيها إليك - بلا وساطة - مطالعة ما في هذا الكتاب من الآيات الفنية.

| كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

المختار · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٥