تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني لا أذكر أنني غبت عنه قط إلا تفقدني، وجعل يتعاهدني في جميع مظاني، ويقصني جاهدا حتى يصيبني، ولو كنت في قواصي الأرض، ليجالسني ويقضي أجل الوقت معي، ما في ذلك شك ولا إلى جحوده سبيل!

ولا أذكر أنه تهيأت له قط نزهة جميلة، أو مجلس غناء وتطريب، أو نحو هذا مما ينعم النفس ويلذذها إلا أسرع فدعاني إليه وآثرني به، وألح علي في حضوره، وقد يستكرهني إذا تعذرت عليه في ذلك استكراها، ما في ذلك شك ولا إلى جحوده سبيل!

ومهما يكن من شيء فإنه في كل هذا الذي ذكرت لك يؤثرني - فيما أعلم - أشد الإيثار، ويعقد في عنقي من المنن ما لا تسخو به إلا أنفس أصدق الأصدقاء وأصفى الأولياء، حتى إنني لأتمثل في شأنه هذا معي بقول الشاعر:

فأصبحت يلقاني الزمان لأجله

بإكرام مولود وإعظام والد

على أنه قد ذهب عني أن أذكر لك في صدر هذا الكلام الصفات البارزة لصديقي أو عدوي هذا «فلان»، ولكن الفرصة لما تزل حاضرة، والحمد لله، إلى الآن: هو رجل في أعقاب الشباب، انحدر من أسرة إن لم يمد لها في غنى عريض، فإنها تجري على عرق من الفضل والكرم، ومن النبل والشمم، وهو بعد على حظ غير قليل من العقل والذكاء والعلم والثقافة جميعا، حاضر البديهة، حسن الرأي في الجملة، يجيد الحديث ويحذق النكتة، وقد يبرع في إدارة مجلس السمر، وهو وإن لم يكن أديبا فإنه يتذوق الأدب، مرهف الأعصاب، لقد يثيره التافه من الأمر، وتارة يسرف في الحمل على النفس ليصبرها على مكروه عظيم، لرأي يراه هو ولكن يكتمه الناس، ولقد نجد فيه أحيانا أدبا جما وظرفا عظيما، ولقد ترى فيه حينا عنجهية شديدة وسلاطة لا تطمئن إلى الصبر عليها رواسخ الجبال!

ثم إنه لرجل مرح في غالب شأنه يطرب على الغناء، ويتبسط في مجلس الأنس واللهو، ولا يعلق يده عن الإنفاق على أسباب التنعيم والتسلية والترفيه. •••

بعد هذا أرجو منك يا سيدي أن تسمع كيف يصنع لي هذا الولي الحميم، أو هذا العدو الصميم: إنني ما غشيت قط مجلسا هو فيه إلا تغير وجهه، وحال لونه، وتقلصت شفته، وبان الغيظ والحنق عليه، فإذا حييت تثاقل في رد التحية، وجعل يتكلف مصافحتي تكلفا حتى كأنما يضطلع بعبء ثقيل، بل لقد يبتدرني من القول بما أكره، فأنطلق من فوري مغضبا مغيظا، وأنا أستشعر اغتباطه بهذا واستراحته له!

ولقد يضمني به المجلس ومعنا من الصحب من يعرف أنني أحبهم وأوثرهم وأتقي غضبهم، فلا يزال يغريهم بي، ويغرس الحفظية علي في صدورهم بما يدعي علي من قول منكر قلته فيهم، أو سعي خبيث سعيته لكيدهم وإيصال الأذى إليهم، فإذا حاولت البراءة إليهم مما اتهمني، زاد في لجاجه، وألح في احتجاجه، وربما عزز قوله باليمين يرسلها غموسا غير متحرج ولا متأثم، ولقد يجيئني بمن يشهد الزور بين أيديهم علي ليبطل حجتي، ويحق التهمة علي؛ فيفسد بيني وبين صحبي.

ولقد يراني أنقد بعض السلع، فيأبى هو إلا أن يختار لي، لأنه أعرف بجيدها ورديئها، فلا يسعني إلا أن أنزل على رأيه راضيا أو كارها، فإذا تقدمت لمساومة البائع في الثمن، أسرع فدفعني وتولى هذا عني، فإذا خلصت بالسلعة، وعرضتها على أصحاب الخبرة، بان أنني قد اشتريت أردأ الأشياء بأغلى الأثمان!

ولقد يزين لي المخاطرة على سباق الخيل، ويؤكد لي في قوة وشدة ثقة، أنه يعلم علم اليقين أن الرابح في الشوط الأول هو الجواد الفلاني، وأن الرابح في الثاني هو الجواد الفلاني وهكذا، ولا يزال بي حتى يستخرج مني طوعا أو كرها من المال ما يثقل علي ويبهظني ليعقد لي رهانا على بضعة جياد معا (بارولي)، ممنيا نفسي بربح المئات من الدنانير، فإذا كان آخر النهار، لم يظهر جواد منها ولو تفقدته بألف منظار، وأعلم أنه خالفني في خطره هو إلى غيرها من الجياد، وإنما آثرني أنا بما خسرانه مكفول، والربح فيه ألبتة غير مأمول!

المختار · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٤٩