وأرجو منك ألا تحسبني غاليا ولا متزايدا إذا زعمت لك أن شعر شوقي كان في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان، يتخطى إدراكه العادي، أعني أنه كان يصيب ألوانا من المعاني لو أنك راجعته فيها غداة نظمها لاحتاج في فهمها إلى فكر وتدبير! ولقد وقع لي أكثر من مرة أن راجعته في بعض شعره أرى أنه قد مس فيه معنى رفيعا جدا، ولكن اللفظ أقصر من أن يطوله بواضح البيان، وإني لأضمر ما ألمح، وأحيانا ما كان يلمح غيري، فإذا هو بادئ الرأي كقارئه متحير متردد، وإذا هو في فهم مرامي الكلام في حاجة إلى جس وإلى استخبار!
3
وأريد أن أقول لك إن هذا الرجل قد كان يفاض عليه ساعة وحي الشعر ما لم يكن لفكره في الحساب، ولقد ذكرت هذا من بضعة أيام لنفر من الأدباء ممن كانت لهم صلة بشوقي، فأكد لي بعضهم أنه وقع له مثل هذا مع أمير الشعراء.
صنعة شوقي
وإذا كان لهذا الشاعر صنعة، أو كان له في شعره ما يعد من عمله، فهو احتفاله للمعنى أولا، فإن واتى اللفظ ولان ونصع وأشرق، وإلا فلأم هذا اللفظ الهبل!
4
لم يكن شوقي إذن يكلف بالديباجة، ولا يجهد في تسوية اللفظ وصقله، ولكنه مع هذا قد يجيء بالعجب العاجب! بل لقد استحدث شوقي في العربية صيغا أوفت على الغاية من حلاوة اللفظ، ومتانة النسج، وقوة الإشراق، وأحسب أن قوة المعاني هي التي أرادته على هذا ودفعته إليه دفعا.
ولقد كان مما يعد على شوقي أنه يكثر من الغريب في شعره، حتى لقد كان يضطر هو إلى تذييل ما يفشي من قصائده في الصحف بالشرح والتفسير، ولا أحسب هذا سائغا في العصر الذي نعيش فيه، بل إني لأزعم أن محصول شوقي من متن اللغة لم يكن يواتي هذا القدر الذي يشعره استكثاره من الغريب في قصيده، فلقد كنت تسأله معنى الكلمة المفردة تكون قد خلت في بعض شعره، فإذا هو لا يدريه في بعض الأحايين، وإنني لأرجح أن الرجل لم يكن يعمد بهذا إلى التكثر بسعة العلم، ووفرة المحصول من اللغة، ولكن لأنه كان يصيب من دقائق المعاني ما لا يتيسر له أداؤه باللفظ الشائع، كما كان يطيل أحيانا كثيرة في القصائد إطالة يحتاج معها إلى الكد في التماس القوافي، فكان يضطر في هذا وفي هذا إلى التماس الألفاظ من المعجمات ينتزعها انتزاعا.
التجديد والمجددون
وهنا أحب أن أقول شيئا يسيرا في التجديد والمجددين، وإنني أوجه هذا الكلام بنوع خاص إلى الناشئين من المتأدبين.
إذا كان من آيات الحياة في الكائنات تطورها ونموها وتجددها، فالأدب ولا شك من هذه الكائنات التي لا تكتب لها الحياة إلا على التطور والنمو والتجديد ، وإلا كان ميتا أو أشل على أيسر الحالين.
ولكنني أحب أن ألفت في هذا المقام إلى مسألة قد تدق على أفهام الكثير أو القليل، وتلك أن هناك فرقا بين التربية والتجديد، وبين المسخ والتغيير، ولست أجد مثلا أسوقه في هذا الباب خيرا من حياة الطفل وحياة النبات، كلاهما ينمو ويربو، وكلاهما يطول ويزكو، حتى يبلغ الحد المقسوم لكماله، وقد تتغير بعض معارفه، وقد تحول بعض أعراضه، ولكنه في الغاية هو هو لا شيء آخر، فحسن الوليد، هو حسن الطفل، هو حسن الفتى، هو حسن الشاب، هو حسن الكهل، وهو حسن الشيخ، وتلك الفسيلة
5
الصغيرة، هي هذه النخلة الباسقة؛
6
كل نما وربا بما دخل عليه من الغذاء، وما اختلف عليه من الشمس والهواء.
لقد أصاب كل منهما ما أصاب من أسباب التربية والإزكاء، فاحتجز منها ما واءمه وما تعلقت به حاجته، ونفى عنه ما لا خير له فيه وما لا حاجة به إليه، ثم أساغ ما أمسك وهضمه، فاستحال دما يجري في عرقه، ويزيد في خلقه.
ولا شك في أن لأدبنا العربي عناصر، وله مقومات، وله شخصية بارزة معينة، فمن شاء فيه تجديدا - ومن الواجب الحتم على القادرين أن يجددوا - فليتقدم، ولكن من هذه السبيل.