ومما يتصل بهذا المعنى ما زعمته في بعض مقامات الكلام
2
من أن من الشعراء، وأعني بهم بالضرورة من يستحقون هذا الاسم، من تتخطى شاعريتهم أفق مداركهم؛ فنراهم يصيبون من المعاني ما لا تتعلق به، في العادة، أذهانهم حتى لو راجعتهم في بعضها، وقد آبوا إلى أنفسهم، لاحتاجوا في تفهمها إلى مطاولة وجهد في الاستخبار!
ذلك بأنهم لم يصنعوا مثل ذلك الشعر صنعا، ولا جاءت روعته من التشمير في التجويد والافتنان، ولكنه فيض يفاض على الشاعر من عالم الغيب فيتحرك به لسانه، أو تجري به على الطرس بنانه، لا أقول نزل به جبريله ولكن وسوس به شيطانه!
ولعل هذا المعنى يفسر لنا ما كان يزعم العرب من أن لكل شاعر شيطانا يلهمه الشعر ويفيض به عليه، كأنه حين تعاظمهم أن يقع للشاعر من فنون المعاني ما لا يتسق في العادة لفكره، ولا يتعلق به ذهنه، راحوا يلتمسون المصدر من عالم الغيب، ويصلونه بما وراء آفاق الحس، ففرضوا لكل شاعر شيطانا يسدي بدائع الكلم إليه، ويفيض بروائع الحكم عليه! والله أعلم. •••
وبعد، فليس هناك شك في أن زعم العرب ذاك خرافة من الخرافة، ثم لقد ترانا من ناحية أخرى قد غلونا في توجيه كلمة «رسالة الفن» على المعنى الذي وجهنا، وأن أمرها أرفق من ذلك وأهون، وليكن لك في هذا من التقدير ما تحب، على ألا تبالغ في إرهاق الأفهام، ولا تغلو في النشوز على ذوق الكلام، فإنك مهما تجهد في الأمر وتتطلف في الاحتيال له لواجد للفن رسالة يريد، على أية صورة من الصور، وبأية كيفية من الكيفيات، تبليغها للناس، أو على الأقل لمن يجري منهم على عرق في ذلك الفن، وأن هذا الفن قد اصطفى من بين أهله فلانا ليبلغ رسالته ففعل.
ليكن لك ما تريد من تصوير الكيفية التي يحمل بها الفن أولئك المصطفين رسالته، ويقتضيهم أداءها إلى من بعثوا فيهم من العالمين، فإنك على ألين تقدير لتجد الخطب جليلا كل جليل! •••
رسالة الفن! هذه لعمري كلمة إذا كان لها مدلول يتصل بالواقع، فمدلولها على كل حال غال ثمين، تالله ما كانت رسالة الفن - إذا حق أن يكون الفن رسالة - بالشيء المرتخص المبتذل في الأسواق يشتريه من شاء بأوكس الأثمان، ولا هو باللقى
3
على عذارى الطريق يتناوله من شاء ويطرحه في حيثما أراد!
رسالة الفن! كلمة كبيرة سواء أجرت على معنى استحداث الأحداث فيه، أم على معنى إيتائه بجليل مطالبه، أم تجليته في أبرع صورة وأروعها، ليس مدلولها الجد على أي معنى من هذه المعاني وجهته، بالذي في يد المتناول ولا بالذي على طرف الثمام
4
كما يقولون، إنما هو شيء شامس
5
عصي لا يذل ولا يسلس إلا لمن آثره الله تعالى بالمواهب العظام!
هنا يخيل إلى القارئ الجاد الذي لا يعرف أن الألفاظ قد تعبث وأن الصيغ قد تعربد أن مصر قد استوى لها في هذا العصر آلاف من العبقريين الذين اصطفتهم الفنون لأداء رسالتها فأدوها على خير الوجوه، وما للقارئ الجاد، أو على الصحيح القارئ الذي يقدر الجد في جمهرة الكاتبين، لا يرى على هذا أن مصر كما تخرج الحب وتجود بالقطن، أصبحت كذلك تخرج، ولكن عفوا بلا بذر ولا سقي ولا تعهد، آلاف العبقريين الذين يحملون إلى العالم رسالات الفنون؟ وكيف لا يرى هذا وهو لا يبسط بين يديه صحيفة إلا زحم نظره أسماء الحشد الحاشد من هؤلاء الموهوبين الذين يشتعبون أقطار البلاد حاملين بريد الفنون إلى أصحاب الفنون؛ على أنك لو اطلعت على كثير من هذه الصحف المنزلة على أولئك الرسل؛ بل لو قد اطلعت على أكثرها الكثير لما شككت في أن الألفاظ قد انحرفت عن معانيها بقدر كبير، حتى إننا لو اطردنا في إجالة مثل هذه الصيغ سنصبح بعد قليل من الزمن في أشد الحاجة إلى نقض معجماتنا اللغوية لنقيم من جديد كل لفظ بإزاء معناه الطريف، وإلا اضطربت الأفهام، واختل ميزان الكلام.