تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد دعين إلى مناحة المرحومية: منبوك، وكسلة، وبلحة، وإأه، وخليل بطيخة، وغيرهم وغيرهم من «عتر» البلد و«صبواتها»، ويا طالما هيجن من زفرات، وأجرين من عبرات، وبعثن الأكف تشبع الخدود لطما، واستنفرن الأظافير تفري الصدور لدما، وكم دققن الرءوس دقا، وشققن الجيوب شقا.

وإذا كان شعراؤنا لا يعدون في وصف كل ميت بأنه أجمل من القمر، وأعلم من الجاحظ، وأشعر من زهير، وأكتب من ابن المقفع، وأبلغ فلسفة من ابن سينا، حتى لا نكاد نميز ميتا عن ميت - فإن في «الندابات» قصدا في القول، وتحريا في «الندب» لما هو أشكل بكل ميت!

ولقد توفي في صدر هذا الأسبوع المغفور له المعلم دقدق الجزار، فكان مما قلن فيه:

اسم الله عليك يا خويه يا خطرة الباشة

يا محلي أورطك - يا عيني - في حبكة اللاسة

اسم الله عليك يا خويه يا خطرة اليمني

يا محلي دراعك - يا شلبي - في الشاهي اللبني.

والشيء بالشيء يذكر، فلقد اتصل بنا ممن لا يشك في روايته، أن المحلات التجارية الكبرى، رأت أن تتخذ من «الندابات» أحسن ركلام عند من يغشين المناحات من السيدات، لذلك تراهن ينتهزن الفرصة في موت إحدى العذارى فيقلن فيما يندبن مثلا:

يا للي ما لحقتيش تتهني يا حلوة يا للي ما لحقتيش تتمتعي يا عروسة! يا للي ملحقش أبوك يفرح بك يا شبة، ولا يجهزك من محل فلان، يا للي ما وعيتيش لما يشتريلك الطقم اللاكيه اللي على الشمال والواحد داخل يا حلوة، ياللي ما ستنتيش لما يجيب لك من «الكريب دي شين» الموضة اللي جه الجمعة دي بس يا ختي، يا للي خطفك الخطاف قبل «الكازيون» اللي فيه الحاجة هناك بتراب الفلوس يا عروسة!

ياللي ... ياللي ... حتى تستوفي «الكتالوج»، وتستقصي أسعار «الأكازيون» عن آخره.

وما يدرينا، فلعل تجارنا واصلون غدا إلى أن يأجروا بعض شعرائنا ليصنعوا لهم «ركلاما» عن بضائعهم و«موداتهم» في حفلات الأربعين، فينشدوا مثلا فيما ينشدون من أبيات الرثاء والتأبين:

كم زرت قصرك والإعجاب يدفعني

لوصف كل طريف فيه مجلوب

رأيت فيه بساطا جل ناسجه

من خير ما يحتوي دكان شلهوب

3

دكان شلهوب يستهوي النفوس بما

يضم من تحف في حسن ترتيب •••

رأيته في قميص الخز مزدهيا

مما يقدم «برنار»

4

لأمجاد

وفوقه «بدلة» من خير ما صنعت

أيدي المجيدين من صناع «سيفاد»

5

عند العقارى ذا تلقاه منبسطا

وذاك في الطابق العلوي بمرصاد •••

ولقد تخرمك المنية قبلما

تهنا بما جلبوا إليك وأطنبوا

لجهاز عرسك كل غال قيم

جادوا به فمفضض ومذهب

من عند سمعان الشهير وبعضه

من شيكريل أعز ما يتطلب

وبهذا يخدم شعراؤنا الأوطان، بما يسبقون فيه الأمريكان، من التفنن في وسائل الإعلان!

المختار · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٢٠٥