فإما أن تختار القضاة الشرعيين من خريجي المدرسة الحربية، حتى تتكافأ القوتان، في فنون الضرب والطعان!
وإما أن تأمر بألا يعقد المجلس الحسبي إلا إذا استوثق الأعضاء من كتاف المأمور، فلا يصل شره إليهم، ولا تضر صولته عليهم!
والثالثة أن تخرج للقضاة الشرعيين، بدل الأوسمة التي تطبعها لهم، دروعا تقيهم بأس المأمور وأذاه، وتعصمهم من كفه وعصاه؛ وإلا فالتخلف عن الحضور، أخف من كف المأمور، والدخول في مجلس التأديب، أهون من الدخول في هذا المعترك، والوقوع في هذا الشرك!
| يوم ويوم! ...
جازت بي أصيل اليوم زفة لجهاز عروس، تتقدمها الموسيقى العادية، فالمؤنس (موسيقى القرب)، يليهما عنق من الشبان والفتيان: هذا باسط على راحتيه ديباجة مزركشة، وهذا حامل غطاء مرقشا، وثالث «صينية» نحاس مكتفة بالفضة، ورابع آنية زجاج مموهة بالذهب، وخامس علبة من الجلد انتظمت ثلاثة أكواب مفضضة الكعوب، وسادس شاهر حذاء حريريا ... وتاسع طاس حمام صيغ من الفضة الخالصة ... إلخ ... إلخ.
ثم يلي هؤلاء قطار من عربات «الكارو» لا يكاد يدرك الطرف آخره: هذه تحمل حشية (مرتبة) وغطاء سرير، وهذه تحمل طنفسة وكرسي خيزران، وثالثة بسط عليها لحاف مزخرف وثلاث وسائد مدبجة الأطراف، ورابعة عليها «دولاب» يتوجه بثلاثة أبواب من البللور، وخامسة تظهرها «كنبة» و«فوتيان» منجدة ثلاثتها بحرير أرجواني، وسادسة تحمل سائر «الطقم» من كراسي و«كنصول» ومناضد، وهكذا حتى يأذن الله ويجيء دور آنية النحاس من أباريق، وطسوت غسل الثياب، وطسوت الحمام، ومن حلل ومغارف ومصاف ... إلخ ... إلخ ...! •••
وهذا ما يكون من أمر يوم الجهاز عند هذا الضرب من الناس، أما ما يكون من أمر يوم «العزال» فلا أكثر من عربة واحدة لحمل هذا كله، مزيدا عليه ما لا يدخل في جهاز العروس من «الماجور» و«الشالية» والزير وحمالته، وطاحونة البن، وأقفاص الفراريج والحمام وغير ذلك، يركم ذلك كله بعضه فوق بعض، حتى ليخيل إليك من عظم ارتفاعه، أن سراته تحك قرن الشمس!
| أعوذ بالله! ...
على طريقي إلى الدار «حانوت» والعياذ بالله تعالى، نضدت فيه خشب الموتى ودكك الغسل تنضيدا بديعا، وسجيت على بعضها نماذج الأكفان الزاهية الألوان من «شاهي» للرجال، و(كريب جورجيت) لموتى العرائس، ولم يعد ينقص هذا «الحانوت» الطريف إلا أن تقام على بابه «فترينة» تزين بأسباب الموت وحوائجه.
ويجلس على بابه كل يوم من الصباح الباكر عماله الكرام، ومن «غاسلين وحمالين، ومنشدين»، وهم يتوسمون وجه كل غاد ورائح، لعل القدر يسعدهم بمرزوء في أحد بنيه، أو في أمه أو في أبيه.
وجزت بهم مصبح يوم وعيناي تنتضحان بالدمع من أثر رمد، فأتلعوا إلي أعناقهم، ورأيت البشر يشيع في وجوههم، وسرعان ما تحركوا جذلين للقائي، وهم يدعون الله في أنفسهم أن يجعل «استفتاحي لبن!» فصحت فيهم: استريحوا يا أولاد ال ... فما بي والله بكاء، ولكنه الرمد، وكلنا والحمد لله بخير وعافية، وقطع الله أرزاقكم ولا أدخل النعمة عليكم أبدا ...!
| أوكازيون!
تلقيت من بعض معارفي هذا الكتاب:
حضرة ...
قرأت ما كتبته عن «الحانوت» الواقع على طريق دارك، وغيظك من نشاط هذه «الطائفة»، واجتهادها في عملها، وإعلانها عن بضاعتها بعرض حوائج الموت مرتبة منظمة مزينة إلخ ...
وإني مصارحك يا سيدي بأن المصريين مهما افتنوا في هذا الباب، فما كانوا ببالغين فيه شأو الإفرنج، فلقد وقعت ليدي في ربيع العام الماضي جريدة إفرنجية تصدر في القاهرة، وفيها الإعلان الآتية ترجمته صادرا من محل «حانوتي» مشهور:
إعلان
نتشرف بأن نعلن حضرات زبائننا الكرام بأنه نظرا لقرب حلول موسم الصيف، وبدء ظهور الأوبئة وانتشار الحميات، قد أجرينا تخفيضا هائلا في الأسعار، فضلا عن أننا قد استحضرنا من أوروبا عربات فخمة من جميع الأحجام للرجال والسيدات والأولاد، وصناديق مذهبة ومفضضة، ومحلاة بأدق النقوش وأبدعها، كما استحضرنا كميات وافرة من «الكورونات» وغيرها، ومن يشرف ير ما يسره!