فتلا علي ما يأتي:
السؤال الأول:
ما هو الفقه على مذهب أبي حنيفة؟
السؤال الثاني:
ما هي الأحكام النظامية للزواج والطلاق؟
السؤال الثالث:
ما هو الحساب؟
السؤال الرابع:
ما هو الإملاء؟
السؤال الخامس:
ما هو الخط؟
وهنا لم تعد جدران صدري تقوى على حقن الغيظ، فانفجر انفجارا وصحت فيهما: ما الخط؟ أجيبا أنتما عن هذا السؤال! فأجابا في نفس واحد، لا نخرج عن اللائحة، لا نخرج عن اللائحة! فقلت لهما: «وإني لأول مرة أفشي سر مداولة» إنني غير موافق، فصاحا: ولكن الأمر تم بالأغلبية، فقلت لهما: إذن فامضغا هذه الأغلبية، وتركتهما ونهضت من فوري أطلب وزير الحقانية لأتغداهما قبل أن يتعشياني، وكان صاحب الدولة المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، وقصصت عليه القصة، فضحك رحمه الله حتى انكشف ناجذه.
ولم يصارحني برأي، على أنني قد اطمأننت إلى أنني لن يمسني سوء من أثر فعلي، وأحمد الله تعالى أن أحد هذين الشيخين قد خرج بالسن، ولا أدري ماذا صنع الله بالآخر، وأمثالهما - لا أكثر الله من أمثالهما - في القضاء غير كثير.
وهنا مسألة يجب أن تثار وأن يبت فيها بالرأي: إذا مالت أغلبية القضاة إلى حكم واضح الشذوذ أو ظاهر السخف، فهل يحق للقلة أن تنسحب ضنا بكرامتها على الابتذال، أو يجب عليها الخضوع لحكم الكثرة طوعا لظاهر نص القوانين؟ اللهم إن كان الثاني فيا ويل الأقليات من الأكثريات!
ولعل لي عودة إلى بعض ما عانيت من هؤلاء في محنة القضاء!
| يا خسارة! ...
لي صديق شاب أحرز إحدى الشهادات العليا من بضع سنين، وظل يسعى إلى «وظيفة» حتى اهتدى من نحو شهر إلى «وظيفة» لا يدركها إلا إذا جاز إليها «امتحان مسابقة»، فأكب المسكين على الكتب، وما بقي عنده من «مذكرات» أساتذته، وراح يجهد نفسه في مراجعة ما تلقاه من فنون العلم، ودام على هذا قرابة شهر، وكلما قابلته وسألته في شأنه أدخل الطمأنينة على نفسي بما راجع من مسائل العلم وما استذكر وما حصل، حتى أضحى أمله في السبق إلى «الوظيفة» معقودا والحمد لله!
ولقد لقيني أمس فإذا هو مغيظ محنق، يشكو الزمان ويلوم صرف الدهر! لماذا؟ لأنه قد وفق إلى «وظيفة» أخرى سيعين فيها بغير امتحان، ففيم كان جهده وتعبه في مراجعة الكتب، واستظهار ما عمي عليه من مسائل العلم، وراح يلعن الدهر الذي لم يسق إليه هذه «الوظيفة» الجديدة قبل أن يصنع ما صنع!
فأجبته من فوري «يا خسارة!»، فأومأ برأسه يؤمن على توجعي لحاله في لوعة وحسرة! وانطلق مشيعا بضراعتي إلى الله تعالى أن يعوض عليه ولو بجهل ما علم، ونسيان ما استذكر! والله على كل شيء قدير!
| بين القاضي والمأمور
كان قد وقع خلاف في الرأي في مجلس ببا الحسبي بين القاضي الشرعي ومأمور المركز أثناء نظر إحدى القضايا، ثم استحال الجدل إلى مهاترة، فمشاتمة، فاشتباك بالأيدي، وقد كان الضرب الذي كاله المأمور لصاحبه قاسيا مؤلما، ولولا لطف الله، ودخول الحاضرين بينهما، لكانت فيها نفس القاضي المسكين. وقد كتب المؤلف هذه الكلمة عقب الحادث، ونشرها في «الأهرام» في يونية سنة 1916.
سبقت «الأهرام» إلى ذكر تلك الحادثة الجلية التي وقعت في مجلس ببا الحسبي بين فضيلة القاضي الشرعي وحضرة مأمور المركز.
ونحن لا نجزع من تهاتر اثنين ولا من تضاربهما، فإن جرائد البوليس وجداول المحاكم، تحتفل كل يوم بما لا يحصى عديده من حوادث السب والقذف، والطعن والقتل، ولكن جزعنا أن قاضيا تأدب بأدب الشرع، وقرأ المنطق، ودرس آداب البحث والمناظرة؛ ومأمورا أخذ القانون، وولته الحكومة القيام على الأمن، وتنفيذ الأحكام، وصيانة الآداب - يجمع بينهما مجلس الحكم والولاية، ويتفرغان للنظر في شئون الأيتام، ومصالح العاجزين عن تدبير أموالهم، ليقضيا فيها بحكم الله - فإذا اختلفا على رأي، وافترقا في النظر إلى مصلحة، حصرا على إيراد الحجة، وعييا عن تأييد الرأي بقوة الدليل، ولم يطلبا من وسائل الفلج وأساليب الإقناع إلا التلاحي بالألسن، والتصافح بالأكف، والتضارب بالعصي، والترامح بالأرجل، ونعوذ بالله.