تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس شيء من كل هذا بعجيب، إنما العجيب ما استكشف من خلاله في مؤخرات سني حياته، ذلك أنه ظهر - بحكم إحدى المصادفات، وللمصادفات أبلغ الفضل فيما يجري في هذا العالم من وجوه المستكشفات - أقول ظهر أن الرجل لم يكن يحب المال ولا يحفل به، ولا يعنيه أن يجتمع له منه كثير ولا قليل، ذلك أن كل هم الرجل وكل خلته أنه لا يحب المتاع، ولا يطيق التقلب في النعمة، فإذا أكل أصاب أيسر ما يمسك الحوباء، وإذا لبس ففي ستر الجسم بالخلق غناء، وإذا استصبح تغنى بالزيت، وإذا أوى استغنى بالكوخ عن البيت، فهو إذا جمع بعد ذلك المال، فليس يجمعه لحب فيه أو شهوة إليه، وإنما يجمعه لأنه لا يجد له مفيضا عن الكفاف وهو غاية مناه!

قلت لك إن هذه الخلة قد استكشفت في أخريات سنيه، وذلك أن بعض من يحملهم لاحظوا بعد طول ما أعتروا به من ضيق الحياة وشظف العيش في كنفه، أنه لا يضن عليهم بشيء مما يطلبون من الأموال، بالغة ما بلغت، على شرط أن يستأثروا بالمتاع بها وحدهم، فلا يشركوه في طعامهم، ولا في شرابهم، ولا يفرغوا عليه مثل أرديتهم، ولا يرقدوه على مثل فرشهم، ولا يدخلوا عليه شيئا من رفاهيتهم ولين عيشهم! •••

بقيت هنالك مشكلة، وهي أنهم يحبون أن يستصبحوا بالكهرباء، وهو لا يطيق أن يطلق النظر على ضوئها، فكيف الحيلة في هذا الإشكال؟ لقد ظلت المشادة دهرا بين الطرفين، حتى عرض هو حلا معقولا: ذلك أن يستأجر لهم دارا في حي المنيرة ذات غرف وأبهاء، ليزينوها بما شاءوا من ثريات الكهرباء، على أن يدعوه في مثواه ببير المش، يستصبح بالزيت ويفترش القش! •••

في الحق إن المؤلفين في علم الأخلاق في حاجة إلى مراجعة كتبهم لاستقصاء مثل هذه الأحوال، وضبط الكلام فيما تدل عليه من الغرائز والخلال.

| اقتصاد سياسي! ...

«فلان بك»، عليه رحمة الله، قضى ولم يتشرف بعد على الخمسين، وكان يعيش في هذه الدنيا فردا، فلا أم ولا أب، ولا زوج ولا ولد ولا خادم، وكان واسع الغنى وافر المال، على أنه قد حبس ما في يديه من النقدين على إقراض المحتاجين، ولا يقرض منهم إلا موظفي الحكومة، فيخرج الجنيه بريال يستحق في أول يوم من الشهر القابل، سواء أأقرضه في أول يوم من الحاضر أم في 15 أم في 27 منه، ثم هو لا يعقد السلفة إلا إذا أخذ توكيلا من الموظف المقترض بقبض راتبه عنه، فإذا فضل منه بعد استيفاء القرضة شيء رده إلى صاحبه، وكان في ذلك، والحق يقال، أمينا شريفا.

وأعرف موظفا مستهترا كان في وزارة «...» وألحت عليه الحاجة إلى العبث في يوم 22 من الشهر، وسأل صاحبنا قرضا بخمسة جنيهات يؤدى، على العادة في أول الشهر التالي ستة، فتثاقل عليه، وكلما ألح صاحب الحاجة ازداد صاحبنا تعللا، وأخيرا وبعد طول مفاوضات ومساومات، عقد القرض بالشروط الآتية:

بند 1:

مبلغ القرض خمسة جنيهات مصرية تدفع ستة في أول يوم من الشهر التالي من ماهية الطرف الأول بمقتضى توكيل منه للطرف الثاني.

بند 2:

يشترك الطرفان في إنفاق هذا المبلغ في اللهو والعبث في الأماكن التي يعينها الطرف الثاني بدون معارضة من الطرف الأول.

بند 3:

للطرف الثاني الحرية المطلقة في إنفاق المبلغ كله في ليلة واحدة أو أكثر.

بند 4:

أمانة الصندوق من حق الطرف الثاني.

ونفذ العقد بجميع شروطه من المتعاقدين معا. •••

ولهذا «البك» رحمة الله عليه، رقعة واسعة في أحد أطراف مدينة القاهرة، ولا أعينها لكيلا أعينه، ويقع في وسطها تل مرتفع يصعد إليه بدروب من جميع أقطاره، وقد بنى عليه مئات من البييتات، اتخذ سكناها رعيل من النساء اللائي جرى عليهن القدر باتخاذ أتعس المهن، وقد أطر هذه الرقعة الواسعة من جانبيها اللذين يقعان على شارعين حافلين بما لا يحصى من الدكاكين، وأرصد كل واحدة منها لصاحب مهنة خاصة.

المختار · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٨٣