تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو رجل لا يصبر على الأذى، ولا ينزل على الضيم، ولا يسلم نفسه لطوارق الأيام، ففتق له العقل أن يتخذ ذخيرة من القضايا

stock

يكفي بها الإعواز ويتقي بها - وقاك الله - شر الحاجة، فجد واجتهد حتى أجد ثمانمائة قضية دفعة واحدة، فرقها على ألوان المحاكم: أهلية وشرعية ومختلطة، جزئية وكلية واستئنافا أعلى، وفرض كذلك نصيبا لمحاكم الأخطاط، والمحاكم القنصلية، ولم ينس المجالس الملية، بحيث يستمتع كل يوم ب 10-15 قضية إذا حسبت حساب «التأجيلات»، وبحيث إنه - لا سمح الله - كلما انتهت قضية صنع بدلها قضية، حتى تظل الثمانمائة وافرة لا تكلم على الأيام!

وإنك لتراه خارجا من محكمة الأزبكية، مسرعا يطلب محكمة مصر الكلية، ثم ينكفئ منها إلى المحكمة الشرعية، فإذا كانت الساعة الحادية عشرة، «استقل» قطار «بورسعيد» إلى محكمة بنها، فإذا يسر الله ونظرت قضيته أو قضاياه سريعا أدرك القطار المفتخر ليحضر قضاياه في طنطا، «والبركة» في المحامين في حضور باقي المحاكم لتولي سائر قضايا اليوم، هذا رزقه في «الماتينيه»، أما في «السواريه» فهو من الساعة الثالثة بعد الظهر مغذ في طلب مكاتب المحامين: أهليين وشرعيين ومختلطين، فيظل يحاورهم ويناقشهم في قضايا الغد حتى يفرغ منهم أو يفرغوا منه بانقضاء المواعيد، ثم يمضي ومن خلفه غلاماه يحملان خريطتين مشحونتين بالأوراق، فيطلب أحد المقاهي الهادئة، فيستوي في ركن منه إلى منضدة، ويقبل على أوراقه يهيئ دفعا فرعيا في هذه القضية، وقضية استرداد لهذا الحجز، وطلب رد لهذا القاضي، وإشكالا في هذا الحكم، ودفعا بعدم اختصاص تلك المحكمة إلخ إلخ إلخ.

وأنت في هذا كله لا تراه إلا طربا طرب العقاد حتى حين يسيل في «تقاسيمه» فيستثير المرح والإعجاب! •••

ولقد لقيته مرة في فترة العطلة القضائية، فرأيته متخاذلا لقس النفس، فقلت له: كيف حالك يا فلان؟ فقال: «زي الزفت!» قلت له: ولماذا؟ فقال: «الحالة نايمة ولا فيش شغل!»

وصادفته في القطار يوما في طريقي إلى «بورسعيد»، فلما جزنا محطة منيا القمح، وقعت عينه على محكمتها «الجميلة» الواقعة على بحر مويس، فسألني عن ذلك البناء، فقلت له: إنه المحكمة الأهلية، فتغزل في موقعها قليلا ثم قال «والله الواحد حقه يشتري له هنا قد فدان ولا نصف فدان»، فقلت له: «وما حاجتك إلى هذا ولك في بلدك مئات الفدادين؟» فقال: «علشان الواحد يبقى ييجي ويتسلى بكام قضية هنا!» •••

هذا رجل، وهذا غرام، وتلك ثروة، فسبحان من قسم العقول، وسبحان من قسم الحظوظ!

ناظر وقف جده ...!

أقسم لكم، يا معشر القراء، بالله العظيم، وبنبيه الكريم، وبحق زمزم والحطيم، أن هذا الذي أرويه لكم حق يقين، لم تشبه مبالغة، ولا تداخله تندر، ولا عولج من التخييل، بكثير ولا قليل!

وقعت لي أمس رقعة زيارة (كارت فيزيت)، وقد طبع عليها:

فلان الفلاني

ناظر وقف جده

وليس لدي على هذا بحمد الله أي تعليق!

| إقناع معدة ...!

أعرف شابا من ذوي البيوتات ذكيا غنيا، يضطرب دخله بين الثمانية الآلاف والاثني عشر ألف جنيه في كل عام «عدا وظيفته التي يجريها عليه المنصب في كل شهر»، وهو فوق هذا ظريف حاضر النكتة، وأنه ليعرف كيف يصوغها بالقلم كما يحذق إطلاقها باللسان.

وإذا أنت لابسته واطلعت على دخيلة شأنه حير رأيك فيه، فما تدري أهو أكرم الناس أم أبخل الناس؟

والواقع أن مما يغلط فيه سواد الناس، ظنهم أن البخيل من لا يجود بالمال، ومن تغلب عليه عادة الشح به، وشدة الحرص عليه، وأن السفيه من لا يعتد بالمال، ومن يبادر إلى إتلافه ما وقع إلى يده، وقد دلت المشاهدة على أن هذا على إطلاقه غير صحيح، فإنك لتجد في الناس من يحرص على الدانق، ويضن حتى في موضع المروءة بالسحتوت، وتجده نفسه لا يكترث بالآلاف، ويعمد في غير حاجة، إلى السرف والإتلاف، وذلك شأن صاحبنا الذي أومأنا إليه في مستهل هذا الكلام: ولقد يعلم أن من عماله على ضياعه من يفتلذ من غلاتها الآلاف فلا يكرثه الأمر ولا يعنيه، ولقد يولم لأصحابه، بل لمن لا ترتبطه بهم الصداقة القوية، فيقرب إليهم أشهى الطعام، وأفخر الشراب، ويسمعهم أحذق المغنين، وقد يدعو لهم بفاخر الطرف وغالي الألطاف، ثم تراه في غده يشح بالدرهم، ولو سئله لتغير وجهه وتقلصت شفتاه، وظهر عليه من الكزازة والكيص ما لا يرضى به لنفسه أحد في الدنيا، ولقد يكون في المجلس المونق، يغمره لطف الحديث أو حلو الغناء، فينتفض عنه فجاءة زاعما أنه قائم لبعض شأنه «وما به من حاجة»، ولكنه إنما يطلب مرافق الدار أو المقهى ليشعل سيجارة، خيفة أن يفتح في المجلس علبة سجايره، فيتورط في الميل بها على من إلى يمينه أو من إلى يساره!

المختار · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٨١