فقال: بارك الله فيك يا ابن العم، ولا حرمنا همتك، وهذا هو الظن بك والعشم فيك! وتواعدنا على أن يجيئني من غده في الساعة السابعة صباحا.
وأقبل علي صاحبي وقال: أفتدري ماذا حدث اليوم؟ قلت: ماذا؟ قال: بينا أنا في سريري متدثرا احتماء من البرد القارس إذ جاءتني الخادم تقول لي: إن ابن عمك في انتظارك، وهو يتعجل نزولك إليه لتمضيا إلى الميعاد الذي اتفقتما عليه أمس! •••
أرأيت يا أخي أشره من ذلك الرجل وأطبع، وأبرد وأصقع، وأسمج وأثقل، وأصفق وأرزل.
فقلت له: أعانك الله!
| ظرف ...!
فلان المهندس البدين، الغليظ الوجه، المنتفخ الشدق، الأزرق الجلد، الدقيق الجبين، النكير الصوت، لقد جفت فيه الأقلام وطويت الصحف، وشهد الله وملائكته والناس أجمعون أنه ثقيل الظل، شديد الوطأة على النفس، وإذا طلع عليك أحسست بغمز على القلب، ووخز في الحشا، وهو على هذا كثير الانصباب على الناس، شديد التهافت على مجالسهم، لا يرى جماعة ممن ابتلاهم القدر بمعرفته إلا جاء بكرسي وزج بنفسه فيهم، لا يجلس بكل ثقله على الأرض ولكن يجلس على أرواحهم، ثم يظل ثابتا في المجلس لا يبرح ولا يتحلحل، ولا يقوم لحاجة، ولا تصرفه ضرورة، ولا يعجله أي شأن من شئون الدنيا جميعها.
ثم هو لا يدع حديثا إلا خاض فيه، ولا شأنا من شئونهم إلا أمعن في تفقده وتقليبه، ولا أمرا من أمورهم إلا استخرج خافيه، ونبش بالسؤال حاضره وماضيه، فإذا انتفض واحد عن المجلس لبعض شأنه أقبل عليه يسائله: لماذا يمضي وأين يمضي؟ وما طريقه وما غايته؟ وناقشه فيما تعود به هذه الغاية من خير وشر ونفع وضر، وإذا رأى واحدا يلبس حلة جديدة «فتح» له محضر تحقيق في «قماشها» أولا، وفي لونها ثانيا، وفي تفصيلها ثالثا، وفي ثمنها رابعا إلخ، وإذا رأى اثنين يتساران دس رأسه بينهما ودخل معهما في نجواهما.
ومن أحدث نوادره وأطرفها أنه كان ضاغطا (كابسا) يوما على بعض أولئك الصحاب المساكين، فجاء عامل البريد ودفع إلى أحدهم خطابا، وفيما كان الرجل يعالج شق الغلاف عنه، كان صاحبنا يسرع في إخراج «نظارته» فيمسحها بمنديله، ثم يضعها على عينيه استعدادا ... لقراءة «الجواب»!
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله!
| إلى الحكومة
الغوث الغوث! النجدة النجدة!
ليست لي والحمد لله ضياع فأستفيد بتوافر المياه من مشروعات الري الكبرى، ولا باستصلاح الأرضين بمشروعات الصرف الكبرى والصغرى.
ولسيت من صغار الفلاحين فأطمع في أن يسهم لي في توزيع أرض الحكومة في الفيوم أو سخا أو في السنطة.
ولست من العمال حتى أبسط الأمل في مسكن يؤويني ويخفف عني من كراء البيت، فوق أنني بفضل الله أثوي إلى منزل أملكه.
ولست أسكن الريف حتى أفرح بردم البرك والمستنقعات خلاصا من أذى البعوض، وما يجر الماء الآسن من أمراض وأسقام، وعلى الجملة فإنني ما قلبت فكري في هذه المشروعات، فرأيت لي بالذات حظا في شيء منها كثيرا كان أو قليلا، على أنني أغتبط بالطبع كل الاغتباط بكل ما يدخل على أبناء وطني من النعمة، ويعود عليهم بأسباب الرفاهية، ولكنني مع هذا إنسان أيضا، لا يمكن أن ينسيني النفع العام الشعور بألم الضرر الخاص.
ذلك أنني من يوم شاعت في البلد سيارات الأجرة (التاكسات) أوثرها على مركبات الخيل، لأسباب لا محل لبسطها في هذا المقام، وأهمها الاقتصاد في الوقت، وأمن الشجار، في غاية «المشوار» إلخ، وعلى ذكر هذا فقد تدليت العام الماضي من الديوان في يوم شديد القيظ، فلم يصادفني في طريقي إلا مركبة، فقلت في نفسي «نأخذها» والسلام! واستويت إليها وأنا لقس النفس، مجهود الجسم! مرهف الأعصاب، فتدلى الحوذي عن كرسيه ومشى في رفق، فانتزع المخلاة من فم أحد الجوادين، وزرها وعاد بها كذلك، فألقاها في مداس قدمه من العربة، ثم عاد فألجم الجواد وسوى شكيمته، وعدل إلى الثاني فصنع به ما صنع بالأول، كل هذا في تؤدة وبطء وعظيم اطمئنان، إذ أنا ترتفع حرارتي ويتدارك نفسي ويسرع نبضي، ثم تمكن من كرسيه وتناول وسطه وأهوى به على الجواد الأيمن فانثنى إلى الأيسر، وهذا انثنى إلى المركبة، والمركبة ثابتة في موضعها، فأهوى الحوذي بالسوط على الأيسر، فانثنيا كلاهما إلى الجانب الأيمن، ولما ضاق ذرعي وهممت بالنزول، وثبت الحوذي إلى الأرض، وجر الجوادين معا من خطامهما فانجرا، ولا أطيل عليك أكثر مما أطلت: سارت العربة ثم سارت وسارت، فلم تكد تبلغ شيئا حتى خيل إلي أنني إنما أركب ظلا يتقلص، تحسبه ثابتا وهو في الواقع متحرك، وحتى خيل إلي من بطء المسير، وطول المدة، وضيق النفس، أنني قادم من الصين لا من شارع الفلكي.