تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رأى صاحبنا - على عادة المستهترين من أصحاب الشراب - أن يتحول إلى حان آخر، فدعا لنفسه بخمر، ودعا الشيخ لنفسه كذلك «بشربات»، وظلا يتحولان معا من حان إلى حان، يشرب صاحبنا خمرا ويشرب الشيخ بإزائه «شربات» حتى كاد ينصدع عمود الصبح، ثم انقلبا إلى الدور، فإذا هذا قد أصاب اثنين وعشرين كأسا من الخمر، وإذا الشيخ غندر قد والى بإزائه بين اثنين وعشرين كوبا من، «الشربات»!

| الباعة الجوالون1 ومساحو الأحذية

سيداتي، سادتي

لعلكم كنتم تتوقعون مني في اليلة أن أتم لكم حديث الأسبوع الماضي، بل لقد استحثني على هذا كثير ممن لهم فتيان ما برحوا في مطلع الشباب، ولكنني، والحمد لله أكره الأثرة لنفسي، ولا أحبها في غيري، وذلك الحديث فوق ما فيه من جفاف أو ما يشبه الجفاف، فإنه مما يعني مباشرة طبقة خاصة من الناس، وإنني لم أنس وعدي لكم أن أداول بين فنون الأحاديث، ففي التلوين والتغيير كما قلت، راحة واستجمام، وأعدكم وعدا صادقا أن أتم ذلك الحديث في نوبة أخرى إن شاء الله.

سأحاضركم الليلة في موضوع لا يمكن أن يرد لأحد منكم على خاطر، وإني لأتحدى من شاء منكم أن يحزر، فإن أصاب فله عندي عشرة جنيهات إزاء جنيه واحد إذا أخطأه الحظ، وهو مخطئه لا محالة.

سيداتي، سادتي

لقد تحديتكم جميعا، وتعرضت لمخاطرة من شاء منكم، في حين لا أعهد في نفسي بعض هذه الجرأة، وليس من عادتي المخاطرة أبدا، والواقع أنه لم يبعثني على هذا ويشجعني عليه إلا أنني أتناول موضوعا لا يمكن أن يخطر ببال أحد، لأنه من التفه والسخف في الحضيض الأوهد، وأنا واثق بأنني حين أباديكم بعنوان هذا الموضوع سيأخذكم العجب، ويتملككم الدهش.

إي والله يا سادة، إني لمحدثكم الليلة عن البياعيين «السريحة»، وعن «البويجية» وكنت والله أحب أن أقرن بهاتين الطائفتين ثالثة الأثافي ألا وهي طائفة سادتنا الشحاذين، ولكن الوقت أضيق من أن يحتمل هذا كله، فللسادة الشحاذين وحدهم حديث طويل، ولعلنا نلم به في فرصة أخرى، إذا أذنوا هم لنا بساعة من النهار أو الليل واحدة، نتدبر فيها أمرهم، ونتقصى بعض سعيهم.

إذن سأحدثكم الليلة عن الباعة المترفقين بأبدانهم المضطربين في السبل ببياعاتهم.

سيداتي، سادتي

أرجو ألا تتابعوا أوهامكم، فهي ولا شك، تكذبكم إذا مثلت لكم هذا الموضوع بهذا المكان من التفه والسخف، وإني لأرغم أنها مسألة ذات خطر كبير، بل لقد أستطيع أن أزعم أنها من مشاكلنا الاجتماعية التي ينبغي أن تتظاهر الجهود على حلها وتوليها بالعلاج، كلنا يفكر في غلاء القمح، وكلنا يتدبر في هبوط أسعار القطن، وكلنا يجزع إذا عرض الحديث في أزمة الديون العقارية، وكلنا مشغول بكيت وكيت من المشكلات التي تستهلك تفكيرنا وجهدنا وتفيض بها الأنهار الطوال في صحفنا، مع أن تلك الأزمات مهما بلغ من بعيد أثرها وعظيم ضررها، فإنها وقتية سيحلها الزمان إذا لم تحلها جهود العاملين، أما هذه فالقضاء الحتم علينا أبد الآبدين، ودهر الداهرين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين!

البدار البدار! النجدة النجدة! يا مفكري الأمة، يا جماعة العاملين فيها، يا معشر المتحدثين عليها: هيا هيا أنقذوا البلاد، وأريحوا العباد؛، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين!

اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، لقد كتب على سكان المدن في هذه البلاد الحرمان الأبدي السرمدي من الراحة والدعة، والأمن على الأموال والأعصاب.

أنى جلست فأذى، وأنى سعيت فكيد، وأنى اضطربت فعناء، وأنى توجهت فبلاء فوقه بلاء وتحته بلاء!

تهافت مستمر، وإلحاح لا ينقطع، وشخوص متواردة متتابعة متتالية، لا يكاد ينفذ بينها الهواء، وأصوات منكرة عالية لا تسكن ولا تفتر، ولا ترق ولا تهدأ، وكذب لا تعتريه مذقة من الصدق أبدا، وأيمان كلها غموس، لولا حلم الله وإمهاله لأعميت العيون، وصمت الآذان، وبترت السوق، وقصمت الظهور، وجدعت الأنوف، وعجلت مواقع الحتوف.

المختار · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٦٨