على أنه كان جيد الإلقاء، جهير الصوت، إذا أنشد الجمهرة هز الناس ورجهم، وبعث بالتصفيق أكفهم، وأطلق بالهتاف حناجرهم، حتى إذا قرأ الناقد شعره من غده أنكر على نفسه، ما كان منه في أمسه، ولعل ذلك الأديب قد أصاب بعض الإصابة حين وصف شعر إمام بأنك تأخذه درا، وتلقيه حجرا.
وأذكر أنني كنت جالسا ذات عشية مع صديقي المرحوم حافظ بك إبراهيم فطلع علينا نفر من الشبان، فسألهم صاحبي من أين أقبلوا؟ قالوا: من حفلة المدرسة التحضيرية حيث سمعنا إماما ينشد قصيدة له لم ينظم الشعراء قط مثلها بلاغة وسحر بيان، قال فأنشدوني قالوا: وكيف لنا بحفظ شعر نسمعه لأول مرة؟ قال: فكيف عرفتم مبلغ القصيدة من البيان؟ قالوا: لأنه نال من آيات الاستجادة ومن التصفيق ما لم ينل غيره، وكانت في نفس حافظ بك ذلك اليوم لأمر ما موجدة على إمام، فقال: والله ما صفق الناس لبلاغة إمام ولا لجودة شعره، وإنما هو عبد «كان لما يعمر اللمبة كويس يقولوا له برافوا يا إمام!» فكيف بهم إذا رأوه ينشد شعرا؟
سيداتي، سادتي
قلت لكم: إن إماما كان ينشد الشعر، وإني لأحفظ له بيتين جيدين في حسن التعليل، تعليل ترهبه وانصرافه عن الزواج:
يا خليلا وأنت خير خليل
لا تلم راهبا بغير دليل
أنا ليل وكل حسناء شمس
فاجتماعي بها من المستحيل
وأحسبه لمح في هذا قول المعري، وإن كان قلب المعنى وعكس الآية، وذلك من البراعة على كل حال: قال أبو العلاء:
هي قالت لما رأت شيب رأسي
وأرادت تنكرا وازورارا
أنا بدر وقد بدا الصبح في رأ
سك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدرا وإنما أنت شمس
لا ترى في الدجى وتبدو نهارا
يعتذر إمام من عدم زواجه بأن الشموس - يريد النساء الحسان - لا يجتمعن والليل - يريد سواد جلده.
قلت لكم: إن إماما كان زجالا من الطراز الأول، وليت الأستاذ بديع خيري أو الأستاذ رمزي نظيم، وكلاهما من كبار الزجالين، يعنى أحدهما أو كلاهما بأن يبعث عيون أزجال إمام وهو منهما بهذا كل حقيق.
سيداتي، سادتي
ليس من موضوعي على أي حال، البحث في شعر إمام ولا في زجله، وإنما عرضت لهذا لأجلو عليكم صورة واضحة من كفايات الرجل، أما موضوعي فهو إمام المتندر، أو بالعامية الصحيحة، إمام «القفاش».
كان إمام العبد رحمه الله خفيف الروح، حاضر البديهة، مرسل النكتة، لا يكاد يسكن عنها أو يفتر بياض نهاره وسواد ليله، «يقفش» لكل إنسان، ولكل شيء، فإذا لم يجد من «يقفش» له من الناس تحول بهذا إلى نفسه، وإلى خاصة أهله، ولقد كان من ذلك الصنف الولاد، يتناول المعنى الواحد، فلا يزال يجول فيه بالنادرة بعد النادرة، ويستقصيه بالنكتة بعد النكتة، في سرعة ولباقة عجيبتين، حتى ليضحك الثكلى على حد تعبير الأقدمين! على أنه لم يكن في تطرفه وتندره بعيد المغازي، شأن بعض الذين أوردت أسماءهم عليكم، على أنه قد كانت له ميزة لا أحسب أن كثيرين قد شاركوه فيها، ألا وهي خلق الأحاديث الفكاهية من العدم، لقد يتندر بها على نفسه، أو يتطرف بها على غيره.
ومن المزايا التي ينبغي أن تذكر للرجل أنه كان عفا في مزاجه، لا يفحش ولا يقذع، ولا يتدسس إلى المكاره، بل لعل أشد الناس كان اغتباطا وضحكا من «قفش» إمام، من كان يتولاه «بالقفش» إمام!
سيداتي، سادتي
الآن أروي لكم طائفة من مجونيات إمام العبد في نوادره، لا في نكاته المختصرة، سواء مما شاهدته بنفسي، أو مما رواه لي هو بنفسه، وهنا أرجو أن تأذنوا لي بالتمهيد بين يدي بعض هذه النوادر بذكر بعض الأشخاص أو الملابسات التي اتصلت بها حتى تأخذ النكتة سمتها، وتقع من النفوس موقعها.
قالت الجهاد الغراء: «وهنا أورد المحاضر مرتجلا طائفة مما حضره من نوادر إمام المضحكة التي تدل على قدرته الفائقة على الاختراع والابتكار في هذا الباب، ولم ير تدوينها لأنها إن ظرفت في الحديث، فإنها قد تفتر أشد الفتور في الكتابة والتدوين.»