تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن لقد بان له، على الجملة، أن في الموسيقى المصرية - على الحال التي شهدها - قصورا، وأنها تتخاذل عن الكثير مما ينعم الذوق، وينفذ بالحس، ويترجم عن شتى العواطف التي تعتلج في الصدور.

وليت شعري: كيف له بأن يواتي طلبته، ويحذق هذا الفن كما ينبغي أن يحذق، ومصر أضيق من أن تتسع لهمه أو تدنيه من مطمحه.

ولقد سافر في سنة 11 إلى الشام وأقام دهرا في حلب، وهناك أخذ عن أقطاب الموسيقى ما أذكى موهبته، ووسع في أقطار فنه، وقيل: إنه مضى إلى الآستانة في هذه الرحلة، وهذا ما لا أقطع به.

ولقد عاد الشيخ سيد درويش إلى مصر بعد أن تزود لشأنه أكرم زاد، وادرع للميدان بأمتن العدة وأحسن العتاد، وكان من أوالي بدعه في جد تلاحينه «دور: ياللي قوامك يعجبني» وقد صاغه من نغمة «النكريز»، وأكبر الظن أنه لم يكن لموسيقار مصري عهد بهذه النغمة من قبل، وقد أجاد سيد في تلحين هذا «الدور» وخلب وراع، فوق أنه طبعه على غير غرار معروف في مصر، وصاغه على غير مثال قديم فيها أو جديد!

وظل رحمه الله من ذلكم العهد يبتكر ويبتدع ويجدد، ويسلك بالموسيقى المصرية شعوبا، ويستحدث فيها طروقا، حتى كان لا تغيب شمس أو تشرق شمس إلا أتى بجديد، وطلع على الأسماع بطريف، وكله من الطراز الفاخر الثمين.

| الشيخ أحمد ندا1

عزيز علي، وعزيز على من شهدوا من أهل مصر هذا الجيل، ومن شهدوا فيها أواسط الجيل الماضي أو أعقابه، عزيز علينا جميعا أن يرسل علينا نعي المرحوم المغفور له الشيخ أحمد ندا، وأنت دائما إذا ذكرت الشيخ ندا في هؤلاء، تمثلوا فيه شيئا جليلا عظيما، تمثلوا فيه عنصرا كبيرا مما تتسق به الحياة في مصر، وما تنتظم به ثروتها الأدبية، كذلك كان أحمد ندا، وكذلك يتمثله القائمون من هؤلاء في الحياة ما داموا في هذه الحياة.

ومن عجب أن يموت أحمد ندا في نفس اليوم الذي يموت فيه حافظ إبراهيم فيضرب هذا البلد في يوم واحد ضربتين قاسيتين حتى على أغنى البلاد وأحفلها بعظماء الرجال!

ومن أعجب هذا العجب أن هذين الرجلين، وإن اختلفت فنونهما وتفارقت في أبواب العظمة وسائلهما، كانت تجمع بينهما خلة جليلة الخطر بعيدة الأثر، وهذه الخلة هي شعور كل منهما أبلغ الشعور بالكرامة في فنه، وأن أحدا منهما لا يطيق أن يبرعه أحد أو يسبقه إنسان، إذا استن الأقران في حلبة السباق!

نعم؛ وليرددها القارئ عني كما يشاء! ليست الموهبة وحدها هي التي ارتفعت بكلا الرجلين إلى هذا المكان، فلقد كان الشعور بالكرامة، ومواتاتها بغاية ما يترامى إليه العزم والقوة أثر جليل فيما بلغا من المنزلة وبعد الصيت في جمهرة النابغين.

ولنكسر القول هذا اليوم على الشيخ ندا، فلصديقي حافظ بعد كلام طويل.

كان الشيخ أحمد ندا عليه رحمة الله ربعة القوام، مكتنز اللحم وإن ترهل لحمه في غاية العمر بتراخي السنين، وكان وجهه أشبه بمربع متحيف من زواياه الأربع؛ على أنه كان قسيما حلو العينين ، حلو الفم على فوه فيه قليل، تضرب في بياض لونه صفرة لا أدري إن كانت من الخفة أو من مرض طارئ دخيل.

وكان إذا تحدث تفخم عليه اللفظ، فخرجت تاؤه بين التاء والطاء، وخرجت زايه بين الزاي والظاء، وسينه بين السين والصاد، وهو بعد حسن السمت، حسن الدل، متأنق الهندام، يكور عمامته على نسق خاص يترسمه فيه كثير من المعممين، وخاصة جماعة القراء.

وكان، أثابه الله، كأمثاله العظماء بالحق، جم التواضع، وافر الأدب، لا يذكر الناس - إن هو ذكرهم - إلا بالخير، عظيم التوافي لمن يعرفهم، طلاعا عليهم ما اعتراهم المكروه. •••

كان أبوه، ويدعى الشيخ أحمد ندا أيضا، مؤذنا في مسجد السيدة زينب رضي الله عنها، ولم يكن صوته - على ما انتهى إلينا من خبره - على حظ من الملاحة؛ ولكنه كان جهيرا قويا يبالغ من سمعوه في قوته وجهارته إلى الحد الذي لا يسيغ روايته الرجل المربئ، ولقد شهدنا الشيخ أحمد ابنه وسمعناه وعرفنا ما أوتي من قوة في الصوت لعلنا لم نسمع مثلها إلا من الأقل من القليل، إذن فقد زلت

المختار · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٤٩