تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا لقد أنف العقاد أن يدخل هذه «العرب» على قانونه، واستغنى عنها «بعفق» أنامل يسراه، فلا هو ينقطع وينحبس للعلاج والإصلاح، ولا هو يشد الأوتار بتلك القطع المعدنية تدخل على صوت القانون شيئا تحسه الآذان السليمة المرهفة، وإن غفلت عنه آذان سائر الناس.

ثم هذا العقاد الذي قضى زهرة الحياة مع سيد المغنين عبده الحامولي، لقد دعته ضرورات العيش بعده إلى أن يعمل مع غيره، ومنهم من لا يستطيع أن يغني إلا على حساب قانون العقاد، ومنهم من يستطيع أن يستقل بنفسه لولا أنه يريد زيادة الإحسان بقانون العقاد، وارتفاع الصيت بأن يقرن اسمه إلى اسمه إلا أنه لوحظ في مؤخرات سنيه أنه ما انفسح الموضع لتقسيمات العقاد، وتواثبت حاجات الطرب إلى إطالتها والتبسط فيها، إلا أقصر وأوجز وختم وهو يشهد استشراف الناس منه لكثير!

وعلم الله ما كان ليفعل هذا ضنا على الناس، ولا تقية جهد ونصب إنما كان يفعله مصانعة للمغني، وخيفة أن يعرض الناس عنه في طلب اطراد العقاد بقانونه إلى غاية المجلس.

وهذا فعل الحاجة، وقاتل الله الحاجة، فلقد طالما جنت من مفاخر الحياة ومتعها على كثير!

| الشيخ سيد درويش1

سيداتي، سادتي

لقد فرضت لنفسي إجازة أستريح فيها من عناء أي عمل! على أن أعود إلى شأني في خلال شهر أكتوبر، إذا أذن الله ومد في العمر وبسط في العافية، ولكنني عوجلت بالدعوة إلى الحديث في هذه الليلة، ولقد كان في المعاذير مندوحة، لولا أن الحديث في صديقي المرحوم الشيخ سيد درويش، وللشيخ سيد درويش عندي مقام كريم.

وإذا كنت أحدثكم الليلة عن هذا الرجل، فما كان حديثي عن رواية راو أو نقل ناقل؛ إنما هو من رؤية راء وشهادة شاهد:

رجلان اثنان رأيتهما أول ما رأيتهما، فإذا كل منهما في مبدأ النظر من أصغر الناس وأخفهم في الميزان، ثم ما برح كل يوم يكبر في عيني ثم يكبر حتى يضيق به مدى النظر جميعا، وحتى أصبح وزنه وتقديره مما ينوء بكل وزن وكل تقدير!

هذان الرجلان الصغيران الكبيران، الدقيقان الجليلان، هما الشاب العالم الهندي ضياء الدين أحمد، والشاب الموسيقار المصري سيد درويش، وضياء الدين هذا هو الذي أحرز جائزة إسحق نيوتن ولما يزل في السادسة والعشرين!

ولندع ذلكم العالم الهندي الآن، ولنمض بالحديث في هذا الذي نحتفل اليوم بذكره:

في إحدى سني الحرب العامة كنت أقضي شطرا من الصيف في الإسكندرية، ولي صديق سري من أهل القاهرة يقضي الصيف كذلك هناك، فدعاني ذات عشية إلى داره، وأخبرني أنه سمع بشاب من أهل الإسكندرية يجيد الغناء، وأنه قد وصفه له فلان، وأحسن القول فيه، فأرسل في دعوته ليسمعنا شيئا، فانقبضت ووجمت، وكان لهذا مني سبب قوي، فقد رمينا في عامنا ذلكم بكثير ممن يتكلفون الغناء، هواة ومحترفين، وتقدمتهم ألوان المبالغات، فلم نخرج منهم إلا بصك الآذان وتعكير الأذواق، وهممت أكثر من مرة بالانصراف، وصديقي يمسكني، ويعالج تبرمي بفنون التبصير والتعليل!

شكله ودله

ثم أقبل علينا فلان هذا ومعه شيخ معمم، مستدير الوجه، أسمر اللون، مليح العينين، في أنفه شيء من الفطس، وفي فمه قليل من الفوه، وهو يميل إلى الطول، غير بادن الجسم وإن كان مكتنز اللحم، نظيف الثوب، يتأنق في ثيابه برغم ما يبدو عليه من رقة الحال، وهو في الجملة مقبول الخلق والشكل، لا تنقبض النفس دونه، فإذا داخلته بالحديث وباسطته في السمر، تكشف لك عن عذوبة نفس، وظرف طبع، وخفة روح، وحضور ذهن، وإصابة في القول، وأدب إيماءة وخطاب، فسرعان ما تهفو نفسك إليه، وتحسها قد تهافتت من فورها عليه!

هذه هي الصورة التي جليت علي لسيد درويش في أول مجلس جمع بيني وبينه، ولكن بقي الغناء! ... ويا ويلي مما سألقى من هذا الغناء، أو على الصحيح من هذا العناء، وصدق من قال: من لسعته الحية خاف من الحبل!

المختار · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٤٥