لقد كانت «الطقاطيق» تغنى في القديم، وكان أكثر من يصطنعها ويرددها جماعات «العوالم» في أعراس الطبقة الوسطى وما دونها، على أنها كانت ظريفة خفيفة على السمع، عفة بريئة من فحش القول، فإن هي شذت في القليل النادر جدا، فشذوذها لا يصل بها إلى هذا الذي يدعونه الأدب المكشوف على أي حال! على أن أعلام المغنين كانوا يرددون في قليل من الأحيان المقطوعات التي تتسق في ألفاظها ومعانيها لأخطارهم وجلالة محلهم، وإذا كان قد غنى في بعض تلك «الطقاطيق» النسائية، فإن ذلك منه إنما كان على جهة التطرف والتمليح!
سيداتي، سادتي
اسمحوا لي بأن أبين الفرق بين أغاني الرجال جملة، وأغاني النساء جملة، وهذا الفرق وإن دق وصغر فإن له أثره البعيد: فأغاني هؤلاء يغتفر فيها من الطراوة والرخاوة ما لا يغتفر في أغاني الرجال، سواء أكانت تلك الطراوة والرخاوة في اللفظ أم كانت في طريقة الأداء، ولهذا ساغ للسيدات أن يغنين جميع أغاني الرجال، في حين لا يسوغ لهؤلاء أن يتغنوا بكل ما يتغنى به السيدات؛ لأنه إذا جاز للمرأة أن تشتد وتعنف - ولقد يكون ذلك جميلا منها في بعض الأحيان - فقبيح كل قبيح بالرجل أن يسترخي ويتكسر ويتفكك ويتزايل، والعياذ بالله تعالى!
وإن أعجب لشيء في هذا البلد، فعجبي لأن الكثرة الكثيرة من مغنيات الطبقة الأولى يغنين غناء قويا مستمسكا لا أثر في نبراته لتميع ولا لاسترخاء، وتأبى حلوقهن إلا أن ترسل الخالص الجوهري من حر الكلام، في حين نسمع رجالا، رجالا عدة مجتمعين، أعني فرقة بأسرها، من لم يشعل الشيب منهم رأسه، فلا أقل من أن له أولادا مميزين، لعل فيهم من ارتقى إلى المدارس الثانوية بله العالية، هؤلاء الرجال لا يتأثمون من أن يغنوا على أملاء الناس: «لابسة الدواق ليلة الزفة، فرحانة بالدخلة ... وخايفة إلخ ...»، يا للفضيحة ... ويا لانخذال الطباع! ...
وبعد، فهل هذا كلام يليق بالرجال؟ لا والله ولا يليق بالنساء!
ولا يكفي هذا، بل يؤبى إلا أن يطبع في «أسطوانات» تذيع في الشرق والغرب، ويصيح بها «الراديو» في كل مكان!
لقد أفهم يا سيداتي وسادتي، أن تغني سيدة في السيدات: «مبروك عليك عريسك الخفة، يا عروسة يا زاينة الزفة» مثلا، لكنني لا أتصور، ولا أطيق أن أتصور، أن يتمثل للمذياع سبعة أو ثمانية من شبابنا الناهض، فيتغنون في تكسر صوت واسترخاء نبرة، مبالغة في المحاكاة والتقليد: «مبروك عليك عريسك الحيلة ... تتهنوا وتتمتعوا الليلة ...» يا ساتر! يا ساتر! يا دافع البلاء! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا! ... ثم لا يتحرج الفحل منهم أن يزغرد كما تزغرد مساعدات المغنية، وذلك منهم كذلك لإحكام المحاكاة والتقليد!
سيداتي، سادتي
ليس والله أفتك بالأخلاق ولا أعصف بالآداب من شيوع مثل تلكم الأغاني الخبيثة المائعة، وخاصة على ألسنة الرجال، وإنها لحقيقة بأن تشيع في فتيانكم انخذال النفس، وتزايل الخلق، واسترخاء الطبع، وتدك مكان الرجولة فيهم دكا، وإنني بإيراد هذه المترادفات إنما أحاول أن أؤدي ما تؤديه اللفظة المقسومة لهذا المعنى؛ ولكنني أرفق بأسماعكم، وأشد إجلالا لكم من أن أحملها جناح الأثير، فتسلك جميع الدور، وتقتحم الخدور على ربات الخدور!
وليست الجناية في ترجيع مثل هذه الأغاني مقصورة على فتيانكم رجال الغد، بل إنها لواقعة أيضا على فتياتكم أمهات المستقبل، فتياتكم اللائي يفرض عليهن الوطن، إذا ما شببن وأصبحن ربات بيوت، أن ينشئن الطفل - أعني وديعته بين أيديهن - على الفضيلة، وأن لا يتعاظمهن جهد في إعداده ليكون إذا شب وكبر، رجلا تام الرجولة.
سيداتي، سادتي
إن لبلادكم آمالا عراضا في جميع نواحي الحياة، وهيهات أن تنال أيسرها مطلبا إلا على أيدي رجال صحاح البنى، متان الأخلاق، شداد النفوس صلاب الطباع.