ولقد كان المرحوم محمد أفندي عثمان المغني مبدعا بارعا، وكان المرحوم عبده أفندي الحامولي صائغا رائعا، فكان أولهما ينشئ الصوت (الدور) إنشاء
2
ويلحنه على غير مثال، فيخرج قويا بديعا، لأن عثمان صائغ كما هو مبتكر، ثم يتلقفه عبده فما يزال يهلهله، ويسوي من صورته، ويمره على ذوقه الدقيق، فيعدل من أطرافه، ويشع فيه نفسه، ويولد فيه من النعم فنونا حتى يخرج أقوى وأبدع وأفتن، ثم يقال هذا الصوت لعثمان فيه لحن، ولعبده فيه لحن آخر!
ولشد ما كان ذلك يحفظ عثمان على صاحبه، ويغيظه أشد الغيظ، فيروح يغلظ له القول، ويباديه بما هو أقسى من العتب، ويتهمه بالسطو بصنعته، وعبده يطامن من هياجه، ويلطف من حده، ولا يزال به يدلله ويرفه عنه بالكلم الطيب حتى يسكن ويرضى، وكان الحامولي، رحمه الله، من دهاة الرجال!
وليس معنى هذا أن عبده لم يكن مبتكرا ألبتة، فإن له لابتكارات عجيبة؛ ولكنه كان صوغا أكثر مما كان منشئا.
وإذا كان فن التنغيم بآي القرآن الكريم قد بلغ اليوم أوجه، فلا شك في أن نهضته الحاضرة مدينة للمرحوم الشيخ حنفي برعي، فهو الذي استن هذه الطريقة الحديثة، فكانت جمهرة القارئين له فيها تبعا.
ولقد نشأ الشيخ أحمد ندا - أشهر القارئين اليوم - يلحن على أسلوب المرحوم الشيخ حنفي برعي، ويسلك نفس طريقته، ويقلده في إيقاعه، ويحاكيه في ترتيله، فإن الشيخ حنفي كان أعلى سنا وأقدم فنا، ثم ما زال الشيخ ندا يزيد بالتلوين والصياغة وقوة الافتنان، إلى أن استوت له شخصية خاصة، إن هو استقل بها عن شخصية أستاذه، فما برحت عليها مسحة منها إلى اليوم.
على أن واجب الإنصاف يقضي علينا في هذا المقام، أن نقرر أنه إذا كان أسلوب الترتيل الحديث من ابتكار الشيخ برعي، فإن الشيخ ندا بما ولد وما افتن قد زاد ثروة هذا الفن أضعافا، ولا أحسب أن تاريخ أهل التنغيم «مغنين ومنشدين وقارئين» أحصى لأحد ما أحصى لأحمد ندا من سلخ أكثر من خمسين عاما مرتلا قوي الصوت، رائع الإيقاع، تلوح له «الحركة» في عنان السماء، فلا ينخذل عنها، ولا يتزايل عزمه من دونها، بل إنه ليجمع نفسه، ويحلق إليها بصوته القوي المرن، فلا يزال بها حتى يصيدها، ويفرغها على السمع في لباقة وقوة إبداع!
ولقد فاتني أن أذكر لك أن الشيخ برعي كثيرا ما كان يرى واقفا برجل من هؤلاء الذين يسألون في الطريق بقراءة القرآن، ذلك أنه تعجبه منه نغمة، أو تهزه نبرة، وسرعان ما يتلقفها، فيهذبها ويصقلها، ويطلقها في سهرته سوية بديعة تضاف إلى فنه الكريم.
ولقد أخذ المرحوم الشيخ أبو العلا نفسه بفن عبده الحامولي، وكان يتغنى أغانيه، ويقلده في جميع تناغيمه، حتى لم يكد يرث صنعة عبده سواه، على أن أبا العلا كان لبقا بارعا، واسع العلم بالفن، محيطا به من جميع أقطاره، بقدر ما يتهيأ لمصري من فهم أصول الغناء العربي، وكان إلى هذا على حظ من الذوق عظيم، ولكنه لم يرزق من حلاوة الصوت وكرم جوهره ما يواتي كل تلك المواهب، فلم يبرع، وإن جاد في غنائه؛ ولكنه برع البراعة كلها في تلحينه.
وإذا لاحظت أن الذوق المصري لا يستريح إلا إذا انتهت النغمة بتكريش الصوت، والزر على الحلق، أو ما يدعوه أصحاب الغناء (بالعفق)، قدرت براعة أبي العلاء وجراءته في الإقدام على تلحين هذه القوافي الصخرية من نحو:
وحقك أنت المنى والطلب
وأنت المراد وأنت الأرب
ولي فيك يا هاجري صبوة
تحير في وصفها كل صب
ونحوه:
والله لا أستطيع صدك
ولا أطيق الحياة بعدك
ولا شك في أن الآنسة أم كلثوم تعد اليوم من أفخر المغنيات والمغنين، لا بجمال الصوت وحده: بل بسلامة الذوق وجودة الصنعة أيضا، ولا أدري لو لم تقع في أول نشأتها في طريق أستاذها أبي العلا، أو لم يقع هو في طريقها، كيف كان يكون شأنها في الغناء؟