تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هذا الباب ما مثلوا لحسن التعليل بقول الشاعر:

لو لم تكن نية الجوزاء خدمته

لما رأيت عليها عقد منتطق

وقول الشاعر:

لم تحك نائلك السحاب وإنما

حمت به فصبيبها الرحضاء

أو قول الشاعر:

ما به قتل أعاديه ولكن

يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب

فمن ادعى أنه يسيغ مثل هذا الكلام اليوم، وأن ذوقه يستريح به، فإني إلى غيره أوجه الحديث.

هنالك شيء آخر له خطره الشديد، وله أثره البعيد: ذلكم أن تقدم الحضارة واتساع آفاق العلوم، قد فطن النقدة ومتذوقي الأدب إلى ألوان من البلاغة في مأثور العربية، لا أجرؤ على أن أقول إنه لم يفطن لها، وإنما أقول إنه لم يحتفل لها متقدمو نقدة الكلام أي احتفال، ومن أظهر ما أغفلوا الحديث عنه في هذا الباب بلاغة الصورة، وبلاغة القصص وما يتضمن من بارع الجدل ورائع الحوار.

انظروا أيها السادة، كيف يجلو الله تعالى علينا بعض خلقه في كتابه الحكيم:

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .

انظروا، أيها السادة كيف يصور لنا القرآن أهل الكهف في منامهم الطويل:

وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا * وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا .

الله الله، ما شاء الله! ولا قوة إلا بالله!

حدثوني بعيشكم: أي مصور مهما فحلت عبقريته واستمكنت سطوة فنه، يستطيع أن يجلو مثل هذه الصورة للعيون! فكيف وقد جلاها عليها القرآن عن طريق الآذان!

حدثوني بعيشكم: إلى أية قاعدة من قواعد البلاغة «الرسمية» نرد هذه «اللوحة» الفنية الرائعة لندرك بها علل كل هذا الإحسان والإبداع؟ أترى هذه الصورة قد انتهت كل هذا المنتهى لأن فيها ألوانا من الطباق في اليمين والشمال، وفي طلوع الشمس وغروبها، ويقظة الجماعة ورقودهم؟

لا لا يا سادة اللهم إن الخطب لأجل من هذا بكثير وفوق الكثير!

وبعد، فلو قد ذهب ذاهب في سرد أمثال هذه الشواهد من كتاب الله تعالى وحديث الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وما أثر عن فحول البلاغة من الخطباء والكتاب والشعراء، لاستهلك في ذلك الزمن الطويل.

وهنا شيء لا أحب أن أتجاوز هذا المقام دون أن أشير إليه: ذلكم أن من علل الحسن في الفنون الجميلة ما يدق حتى تعيي الترجمة عنه على اللسان والقلم جميعا، وإن تعلقت به الفطن وأصابته الأذواق.

ومما يتصل بهذا الباب ما روي من أن بعض الخلفاء العباسيين قال لإسحاق الموصلي ذات يوم: «صف لي جيد الغناء» فقال: «يا أمير المؤمنين إن من الأشياء أشياء تصيبها المعرفة، وتعجز عن أدائها الصفة!»

4

ولست أستدل على هذا بأبين من صنيع عبد القادر الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»، فإنا كثيرا ما نراه يحاول بكل ما أوتي من بسطة علم، ونفوذ فكر، وسطوة قلم، أن يقع على إحدى دقائق الحسن في الآية من الكتاب، فلا يصيب الصميم وإن أجهدته كثرة اللف والدوران، على أنه إذا عجز عن جلو الحقيقة بالنص، فإنه محصلها كاملة في نفس قارئه، وواصلها بذوقه، إذا كان ممن يجرون من الصناعة على عرق، وذلك بالبراعة في التنمية والتفطين.

سيداتي، سادتي

لعل من أظهر ما نحسه من ضعف النقد الأدبي - أو بعبارة أبين، من قصور علوم البلاغة العربية في هذا العصر - أن سلفنا وجهوا كل عنايتهم إلى النقد الجزئي، أعني نقد الكلمة في الجملة، أو نقد الجملة في العبارة، فإذا كان الكلام نظما جرى النقد للبيت مستقلا، وأحيانا للبيت من حيث اتصاله بما قبله أو بما بعده، أي النقد (بالقطاعي) على تعبير التجار.

المختار · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٢١