تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد صرح الدكتور طه في رسالته هذه بأن قدامة إنما وضع ما وضع من أسس علوم البلاغة العربية متهديا بكتب أرسطاطاليس، وهذا حق لا شبهة فيه، ولا يتخالج الشك فيه من يقرأ كتاب «نقد النثر»، بل إن المؤلف نفسه ليصرح في بعض المواطن من كتابه بأن أرسطاطاليس قال في هذا الموضع كذا ونص على كيت.

على أن من أظهر ما يخرج به متصفح هذا الكتاب، أن الرجل في تدوينه لعلوم البلاغة، أو على الصحيح في محاولته تدوين هذه العلوم، إنما كان - برغم ما بين يديه من قضايا أرسطو - كالساري في بيداء مجهل، فهو لا يفتأ يلتمس الأعلام ويتحرى المسالك والدروب، أو هو كالطائر المهاجر يسقط حيث يلوح له الحب، وتترقرق لعينه صفحة الماء، فما إن تسنح له الجزئية يحسبها مما يتصل بما هو بسبيله إلا تراه قد هجم عليها، ومثل لها بآية من آي القرآن الحكيم، وتارة يتمثل بالبيت أو بالبيتين من الشعر، مترفقا شديد الترفق في وجوه التعليل والتأويل.

وهو إنما يتصيد أسباب البلاغة نثارا حتى إنه لم يفصل بين فنونها الثلاثة، فقد يأتي بالمسألة من مسائل البديع في إثر القضية من قضايا المعاني أو البيان.

ثم لقد يميل في بعض الطريق إلى بحث فلسفي، أو يأخذ في شيء من المنطق أو الأصول أو النحو أو الصرف، أو يعدل بالحديث إلى قوانين الجدل، وهي التي دعيت بعد بآداب البحث والمناظرة، وللرجل حق العذر في هذا فإنه لم يعد سنة من نشأوا العلوم، وخاصة منها ما كان مرده إلى الأذواق، وهذا ما نعبر عنه اليوم بالفن الجميل.

وكيفيما كانت الحال، فإن هذا قدامة حتى في القليل من المعاني التي وقع عليها من فنون البيان، لم يضع لشيء منها قاعدة كلية، إنما جهده كله كما أسلفنا أن يلتمس لما يتمثل له من الجزئيات وجوه العلل التي تشرف بها رتبة الكلام.

عبد القادر الجرجاني

ومن العجب أن يشب ابن خلدون في تسجيل نشأة علوم البلاغة من قدامة إلى السكاكي، ولا يقف وقفة - ولو قصيرة - برجل له أثره وله خطره، بل لقد عقد له بعضهم فيما نحن بسبيله أبلغ الآثار وأعظم الأخطار، وذلكم الرجل هو الإمام الجليل عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة (471).

ألف الجرجاني في علوم البلاغة كتابين، هما «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، ولقد جعل أجل همه في الكتاب الأول إلى «البيان»، فتكلم في التشبيه وأطال، وتكثر من إيراد الشواهد والأمثال، وقسم المجاز إلى لغوي وغير لغوي، وأسبغ القول في فنون الاستعارات، وأصاب في أثناء ذلك ألوانا يسيرة من «البديع» كالسجع، والتجنيس، وحسن التعليل، أما ما أصاب من مسائل المعاني فإن جميعه إنما كان من حظ كتابه الآخر «دلائل الإعجاز»، اللهم إلا سنحات قد تلوح أحيانا في آفاق الكلام.

وعبد القاهر يعمد إلى المسألة من مسائل العلم فيضفي بين يديها المقدمات، ويسبغ المقال في التعليل لها أيما إسباغ، ولا يزال يتيامن بالقول ويتياسر، ويضرب في مجازات الكلام جيئة وذهوبا، ولا يبرح يفصل المعاني تفصيلا، ويلون الحجج تلوينا، حتى إذا ظن أنه أوفى من ذلك على الغاية ووقع بقارئه على الصميم، راح يورد الشاهد في إثر الشاهد، جاهدا في شحذ فطنتك وإرهاف ذوقك، ليتهيأ له أن يتدسس بك إلى أطواء الكلام، فتجس ما أجنت من الدقائق جسا، وتستشعر ما أضمرت من المحاسن ذوقا محسا، وكل أولئك يصنعه في عبارة جزلة فخمة، ويجلوه في ديباجة مشرقة اللفظ، متلاحمة النسج، ولا شك أن عبد القاهر بعبارته هذه إنما كان أدنى إلى تعليم البلاغة منه بآثار ما يخرج له من بحثه وتحقيقه، لولا أنه يتكلف السجع ويجتمع له في كثير مما يجرى من البيان.

وكيفما كان الأمر، فإنه كقدامة لم يعن بضبط ما اتسق له من نتائج البحوث في قواعد كلية تنتظم ما تحتها من الجزئيات على الأسلوب المعروف، نعم إنه لقد مهد لهذا ويسره لمن دون بعده من العلماء في هذه الفنون.

المختار · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١١٨