ماذا على المرء إذا أرسل الكلام أن يخرجه مطابقا لمقتضى الحال، ويجريه على أحكام الفصل والوصل، ولا ينحرف به عن مقتضيات الإيجاز والإطناب والمساواة؟ وهذه أحوال التشبيه بين يديه، فما يمنعه أن يصوغ الكلام على غرارها، ويترسم فيه أجلى آثارها؟ وهكذا ...
ولكن الواقع ... الواقع القاسي يأبى مع الأسف إلا أن يزعجني عن الاستراحة إلى هذا الفكر القويم، والمنطق السليم! فهؤلاء متقدمو الطلاب الذين درسوا علوم البلاغة في أفحل كتبها المقسومة وأعلاها مكانا، لا حظ لأكثرهم الكثير في فصاحة ولا في بيان! بل هؤلاء أشياخهم الذين استهلكوا الدهر الأطول في درس هذه الكتب وتحقيق قضاياها ومسائلها، حتى فروا أبوابها فريا، وبروا فصولها بريا، هؤلاء كثير منهم لا غناء لهم في فصاحة لسان، ولا في نصاحة بيان!
هذا طالب كبير يجاورني في خزانة حوائجي في الأزهر، وهو يتلقى علم الأصول في كتاب «جمع الجوامع»، أي أنه فرغ من درس كتاب «السعد»، أي أنه ختم علوم البلاغة، ولم تبق له بشيء منها أية حاجة، لقد جمعنا هذا الطالب المنتهي ليسمعنا قصيدة رائعة من نظمه يهجو بها أهل بلدة «كوم زمران» المجاورة لبلده، فأسرعنا إلى الاستواء بين يديه وقد أرهفنا الآذان، وحددنا الأذهان، وعلقنا الأنفاس، حرصا على المتاع بما لا يظفر بمثله عامة الناس!
ولست أروي لكم أيها السادة، من هذه القصيدة الرائعة حقا، والجديرة بمن أتم دروس «السعد» وحواشيه حقا، إلا هذه الستة الأبيات.
أما مطلع القصيدة فهو بمشيئة الله تعالى.
دع كوم زمران كي تنجو من العلل
وتستريح أخي من كثرة الزلل
ومنها:
إن جاءهم ضيفهم قبل العشاء إذن
تراهم يا فتى في غاية الملل
فالبخل يشتق منهم ما على أحد
منهم ثياب سوى البالي من الحلل
ما فيهم عاقل يا ابن الكرام فقد
جنوا جميعا وقاك الله من خبل
ومنها:
لا يحضرون دروس الفقه إنهم
والله لو تدرين في غاية الكسل
أما تمام التمام، ومسك الختام، فهو:
ستون بيت قريض لا تزيد سوى
بيت به قد سألت العفو عن زللي
سيداتي، سادتي
إذا لم يكن لهذه القصيدة من نظم ذلك الشيخ كل الفضل، فلا شك في أن لها أبلغ الفضل في أن نبهتني إلى أن درس علوم البلاغة - على هذه الصورة على الأقل - ليس من شأنه أن يعلم البلاغة أو يطبع على ناصع البيان، ولعل لها بعد ذلك شأنا آخر!
البلاغة
من البين الذي لا يحتاج إلى أي جلاء أن مقاويل العرب إنما كانت تجود ببليغ القول فطرهم، وتنتضح ببارع الكلام سلائقهم، لا يصدرون في شيء من هذا عن علم تعلموه، ولا عن درس تفهموه، ولا قواعد يتحرون أحكامها، ولا أقيسة يتقرون حدودها وأعلامها، إنما مردهم في كل ذلك إلى الفطنة، الفطنة والذوق المرهف السليم، حتى موسيقى الأشكال والهياكل - وأعني أوزان الشعر ومقاطعه - لقد كانت هي الأخرى موصولة بطباعهم، فلم يكونوا في أي حاجة إلى قانون يهديهم موقع النبرة من السلك المنظوم.
2
وما يقال في الخطيب والشاعر، يقال في سائر النقدة وهم كثرة العرب الغامرة إن لم يكونوا كلهم متذوقين ناقدين.
وبهذا المقياس الفطري كانت تقدر أقدار الشعراء والخطباء، فينزل كل منزلته في غير ضراع ولا حراب،
3
من الصدور أو المتون أو الأعقاب.
هذه الفطنة النافذة، وهذا الحس المرهف، وهذا الذوق التام، لقد أغنت جمهرة العرب عن المطالعة بفنون نقد الكلام، والتنبيه إلى ما في مطاويه من المحاسن والعيوب، حتى لكأن هذه الخلال الشائعة فيهم كانت عندهم من أفصح أساليب الخطاب!
ولست أزعم أن العرب كانوا كلهم أصحاب بيان، وأن شعراءهم إنما كانوا يرسلون الشعر من عفو الخاطر، لا! بل إن من أعلامهم لمن كان يجتمع للقريض ويتكلف تجويد النظم، ولقد يجهد ببعضهم كثيرا في تحرير الكلام وضبطه، والكر عليه بالجندرة والصقل والتهذيب.
ولقد ظل شأن البلاغة العربية كذلك إلى غاية العصر الأموي، فإذا كان قد نجم في هذا الباب جديد، فإن بعض البصراء بفنون الكلام قد انبعثوا لنقد بعض ما يجلى عليهم من الشعر، وجعلوا يدلون بوجه عام على ما لعله يخفى من عيوب، ولقد يقارنون بينه وبين شيء من جنسه من أشعار السابقين، ويفطنون إلى ما يضمر من دقة معنى وإحسان أداء، ومهما يكن من شيء فإن ذلك الضرب من النقد لم يكن جاريا على أي نهج علمي - إذا صح هذا التعبير - إنما هو الذوق والفطنة والحس العام.