تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيبقى فن عبد العزيز؛ لأنه فوق التقليد الذي يبتذل آثار الأدباء، ولأن شخصية صاحبه فذة، ليست شائعة، ولا يمكن أن تكون شائعة.

أفتراني بعد هذا قد استطعت أن أعلل هذه المزية التي يمتاز بها هذا الكاتب الفذ؟ أما أنا فلا أدري، ولكني أعتقد أني قد اهتديت من ذلك إلى شيء، ولعل هناك أشياء ليس الاهتداء إليها يسيرا.

أفتراني بعد هذا محتاجا أن أطوف بك كما فعل صديقنا مطران في هذا المتحف الذي يقع بين دفتي هذا الجزء؟ أما أنا فلا أرى ذلك ولا أميل إليه، ولا أريد أن أكون دليلك بعد هذه الفصول الرائعة؛ لأني لا أريد أن أعرض نفسي لما يتعرض له الأولاد، ولا أحب أن تقول لي ما أنت وذاك؟ أرحني من صوتك الغليظ، ومن لهجتك العنيفة الفظة، وخل بيني وبين هذا الفن الرائع والأدب الرفيع.

لك علي ذلك يا سيدي، فخذ في قراءة هذه الفصول وأنا زعيم بأنك لن تتركها حتى تفرغ منها، ولعلك لا تفرغ منها إلا لتستأنف النظر فيها، فإني قد جربت ذلك من قبلك.

الباب الرابع

| في الفن والمفتنين

| في الفن وحده1

يريدني صديقي الأستاذ العالم الأديب محرر «الهلال» على أن أقول مقالا في موضوع الفن والجمال! على أنني من جانبي قد قدرت بادئ الرأي أن المدى المقسوم لا يتسع لهذين معا، فلنقسر حديث اليوم على «الفن»، ولنرجئ القول في الجمال، فله إن شاء الله إذا امتد العمر مجال.

ما الفن؟

ولقد كان أول ما انبعث فيه ذهني هو التماس أفق هذا الفن وترسم حدوده وماذا يراد به اليوم في متعارف الناس؟

في الحق أنني لم أصب في كل ما وقع لي من كلام المتقدمين والمتأخرين من أصحاب العربية إلى زمن قريب تخصيصا لهذه الكلمة بذلك المعنى الذي يتناول اليوم بكلمة

Art ، فلم أر بدا من مراجعة معجمات اللغة العربية تحقيقا لأصل الوضع اللغوي لكلمة «فن»، ووجوه تصرفها في مختلف المعاني بالاشتقاق والتجوز وغير ذلك من أسباب الدلالات، وقد اعتمدت في طلب هذه الغاية من متون المعجمات لسان العرب، وصحاح الجوهري، والقاموس المحيط، وأساس البلاغة، فخرج لي من كل أولئك ما أنا مورده عليك في إيجاز ولكن فيه الغناء.

الفن في اللغة

الفن واحد الفنون، وهي الأنواع، والفن الحال، والفن الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون، يقال: رعينا فنون النبات، وأصبنا فنون الأموال.

والرجل يفتن الكلام: أي يشتق في فن بعد فن، والتفنن فعلك، ورجل مفن (بكسر ففتح): يأتي بالعجائب، وذو فنون من الكلام.

وافتن الرجل في حديثه: إذا جاء بالأفانين، افتن الرجل في كلامه وخصومته إذا توسع وتصرف، وافتن أخذ في فنون من القول.

والفنان (بتشديد النون الأولى): الحمار الوحشي.

وتطلق هذه الكلمة أيضا في بعض تصرفاتها على معان أخر لا محل للإشارة إليها في هذا المقام لأنها لا تتصل بما نحن فيه من قريب. •••

وبعد، فأنت ترى أن كلمة «فن» إنما تدل بالوضع اللغوي على النوع والحال، ويدل الفعل منها «فنن» الكلام على الاشتقاق في فن بعد فن، أي التصرف فيه نوعا بعد نوع.

ومهما يكن من شيء، فإن دلالة هذه المادة في هذا المعنى، تكاد تكون مقصورة على التصرف في فنون الكلام، وللعرب في هذا عذرهم إذ كان جل همهم إلى «فن» الكلام، على أنها قد امتدت مع الزمن حتى تناولت كذلك بعض معان أخر، وسيأتي في ذلك الكلام.

ثم لقد رأيت أن العرب لم يطلقوا كلمة «الفنان» إلا على الحمار الوحشي

2

على أن إطلاقها على المعنى الذي يطلقها بعضهم عليه اليوم

Artiste

ليس مما يعيى على وسائل العربية، لولا أن استعارة اسم الحمار للإنسان مطلقا، فضلا عن الإنسان الحاذق الصنع، قبيح!

ولقد سلف عليك أنه يقال رجل «مفن» (بكسر ففتح): يأتي بالعجائب ولا شك في أن هذا أصح تعبير وأدقه للمعنى المراد، لولا أن اللفظة جد قريبة من لفظة تنفر الآذان منها أشد النفور، إذن لم تبق حيلة إلا أن نصير في أداء هذا المعنى إلى اتخاذ كلمة «مفتن» أو «متفنن» وهما صحيحتان على كل حال.

المختار · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١١١