تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد مضى العمل في تمثال «نهضة مصر» جدا بمعونة الحكومة وعطف الأمة، وهو الآن يستشرف بفضل الله للتمام.

وإذا كان مختار قد لقي بادئ الرأي تجنيا وعنتا من الدهماء وأشباه الدهماء، فتلكم سنة الكون في هؤلاء، وهل قام في الدنيا مصلح إلا قاوموه واعترضوا سبيله؟ وهل نبغ فيهم نابغ إلا ملكهم الحسد من كل جانب فمضوا يتنقصونه بكل ما أحرزوا من جهل وتضليل؟

ولقد تظاهر الجهل والحسد جميعا على تمثال مختار. أما الجهل فمن أولئك «العلماء الأقطاب» الذين تراهم يقضون بياض نهارهم وسواد ليلهم على متون القهوات العامة، أكفاء لأن يفهموا كل نظرية، ويبتوا في كل قضية، بحيث لا تخفى عليهم خافية من دقائق الفلك والطب والهندسة والسياسة وعلوم القانون وفن تعبئة الجيوش - التكتيك، وكل ما تنقطع دونه جهود فحول العلماء في جميع العالم! وأما الحسد فمن أولئك الذين يصابون بضعف الهمة وقوة الشهوة، وهم يأبون إلا أن يكونوا عظاما، إذ لم تعدهم مداركهم ولا مساعيهم في الحياة لعظيم.

تظاهر هؤلاء وأولئك على مختار وعلى تمثال مختار، فانطلقوا بكل ما فيهم من «ذكاء» و«إخلاص» ينتقصونه ويتحيفون من قدره، ومن الجهة «الفنية» ما شاء الله أيها «الجدعان»!

وسار هذا الروح الخبيث في البلد تعضده دسائس ممن أدلى إليهم الزمن «الخائر» بمناصب لها شأن في بعض الحكم، ولها جميع الشأن في أمر التمثال. فما زالوا يدافعونه ويعترضونه بألوان العواثير، ومختار ساكن سكون الواثق بأن عبقريته وحدها كفء لما أعد الحسدة وتفيهق الجهال!

وشاء الله أن تقدر هذه العبقرية قدرها، وأن يقرر مجلس النواب، بين التهليل والتصفيق، فرض المال الضخم لإتمام تمثال «نهضة مصر»، وكذلك تم الانتصار لمختار، وإن شئت قلت تم الانتصار للعبقرية الفخمة على حسد الحسدة وعلى جهل الجهال.

وتظفر مصر أخيرا بمثال نابغة من بنيها، وأولئك الذين لا يطيقون أن يسمعوا مقالة الخير في أحد من مواطنيهم، قد أمست أنوفهم في الرغام.

وفي الوقت الذي كان ينكر فيه عبقريو «القهوات» على مختار خطر فنه وخطر أثره، كانت تترادف عليه الدعوات من أكبر معاهد الفن في أوروبا لتستثمر موهبته في عملها الجليل، إذ يأبى مختار أن ينصرف عن تمثال «نهضة مصر» في سبيل المال، وما هو أعز من المال.

وحسبه من الجزاء على هذا التمثال، أنه مخلد نهضة مصر على تطاول الأعصار والأجيال. فهناء ثم هناء «يا سي مخطار»!

| الشيخ1 ...

وما لي لا أمزح وقد كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يمزح، ولكن لا يقول إلا حقا، وسأمزح الليلة، وسأحاول إن شاء الله ألا أقول إلا حقا. سأمزح هذه الليلة لأني أجد في نفسي غبطة ومراحا ونزوعا إلى المزح، وسأفعل في غير تطرف ولا عبث.

على أنني لا أجتث الكلام اجتثاثا، ولا أطلق موضوع حديثي افتلاتا، وإنما ألتمس له شخصية أو شخصيات جليلة عظيمة أخطأها الكتاب وتجاوزها المؤرخون، وأخشى أن يتمادى الزمن فتطوي الأيام خبرها، ولا تقدر نواشئ الأجيال خطرها، وهذا ظلم لها وللتاريخ معا.

صديقي أو غير صديقي أو هما معا، الأستاذ الشاب أو الكهل أو الشيخ أو كل أولئك في وقت واحد، الشيخ أو السيد فلان!

وأنا أشهد أنه ما اطلع على مجلسي إلا حللت له الحبوة، ولا جلس إلي إلا آثرته بتكرمتي، ولا أرسل يده إلي إلا أسرعت بتقبيلها؛ لأني أرى في الشيخ عظيما وإن لم ير غيري أن فيه عظيما.

هو شيخ طريقة، وهو على صداقته وملازمته لشيخ مشايخ الطرق لا ترى - على ما يزعم شانئوه - لطريقته في سجلات مشيخة الطرق الصوفية عينا ولا أثرا.

ثم هو رجل جمع بين أقصى مطالب الدنيا وأقصى مطالب الدين، فتراه كما يظهر الأصيل في حلقة الذكر يظهر العشاء في بار «أرستومين».

ثم هو سعدي، وعدلي، وحر دستوري، وحزب وطني، واتحادي، ومحايد، ومستقل، وغير هؤلاء جميعا!

في المرآة · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٥٢