تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يعرف عنه بعض الناس قلة الخير، ومع ذلك فإن له صاحبا ورفيقا من رفقاء الصبا هو «ص بك غ»، وله ولد يطلب العلم في باريس، فعينه في مفوضية باريس في وظيفة غير موجودة!

وعلى هذا الصديق دين لبعثة المرسلين الأفريقيين في مصر، وقد استبهظ الربح، فوسط في الأمر صديقه زيور باشا الذي قصد إلى روما في تجواله بأوروبا في العام الماضي. ومع ما يعرف عن دولته من أنه خريج مدارس الجزويت، وأنه أخذ عنهم الدهاء والمكر وبعد غور النفس؛ فقد طلب مقابلة قداسة البابا نفسه، وخاطبه في الأمر، وسأله التخفيف من دين صاحبه. والبابا أحاله على وزير خارجيته الكاردينال جاسباري، وبعد أن سمع هذا من رئيس وزراء مصر، كل ما أراد أن يقول، هز كتفيه وقال له:

Chi recevato paga

أي: «على من أخذ أن يدفع.» وكان على زيور باشا أن يعرف ذلك!

تلك بعض آثار هؤلاء الذين يدعونهم زيور باشا، فإذا تمثلوا شخصا وبدوا للعيون رجلا واحدا، فذلك مصداق قول أبي نواس:

ليس على الله بمستكر

أن يجمع العالم في واحد

وإن أهل مصر ليأخذون زيور باشا كله بما لا يحصى من الجرائم على القضية الوطنية، وإنهم ليعدون عليه سفهه في أموال الدولة واستهتاره بمصالحها. وإنهم ليحسبون عليه إيثاره الأهل والأقربين، والأصحاب والمحبين، وذوي أرحامهم بمناصب الدولة ومنافعها. وقد يكون لمجلس النواب مع هؤلاء الرجل شأن إذا أقبل يوم الحساب!

وإن ظلما أن يؤخذ البريء بجريرة الآثم، وإن عسفا أن يعاقب المظلوم بما أجرم الظالم، فقد يكون الذي اقترف كل هذه الآثام هو كوع زيور باشا الأيسر، أو القسم الأسفل من «لغده»، أو المنطقة الوسطى من فخذه اليمنى، أو غيرها من تلك الكائنات التي تجمعت في هيكله العظيم، فما شأن تلك المخلوقات كلها تجر إلى مواطن الاتهام، وتعاقب بما ارتكب بعضها من الجرائر والآثام؟!

إن الحق والعدل ليقضيان أن يؤلف مجلس النواب، إن شاء الله، لجنة تقوم بعمل التحقيق في جسم صاحب الدولة، فتسأل أعضاءه عضوا عضوا، وتحقق مع أشلائه شلوا شلوا، حتى يفرق منها بين المحسن والمسيء، ولا يخلط في العقوبة بين المجرم والبريء.

ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخ زيور باشا، فما أحسبه شارك ولا دخل في شيء من كل ما حصل! •••

وبعد، فإذا كان هناك وصف جامع وخلة مشتركة لهذه الخلائق التي تجمعت لجسم زيور باشا، حتى انتظمت فيه شعبا واحدا، فذلك أنه قسيس جزويتي في جلد رئيس وزراء مصري، فقد تربى زيور باشا في مدارس الجزويت كما قلت لك، وتخرج عليهم وتخلق بأخلاقهم. فإذا رأيت في طبعه سهولة، وفي نفسه بساطة، فذلك لبعد غوره حتى ليخفى عليك ما في نفسه من مكر ودهاء!

وفيه صفة أخرى جامعة أيضا، هي شدة احترامه «للبرنيطة»، وعمله على إرضائها بكل الوسائل، فما عرف أن زيور رد في حياته طلبا «لبرنيطة» مهما كان حاملها في الناس، حتى لقد زعموا أن بعض كبار علمائنا الأعلام، مصابيح الدجى وعمد الإسلام، بعدما أعياه الكد والجهد وشدة الطلب، والسعي وطول الوقوف بالأبواب، والتردد بين مختلف الأحزاب، في سبيل وظيفة خالية، عزم أخيرا على لبس القبعة لعله يحظى في هذه الأيام

1

بمعونة زيور على إفتاء الديار أو مشيخة الإسلام، ومولانا الشيخ المذكور بوجه خاص، لا يعدم ألف فتوى من الشريعة، تحل له هذه الذريعة.

| عدلي يكن باشا

أسمر اللون في شحوب، إلا أن ما يخالط سمرته من صفرة حلو مستعذب. يمتاز بقليل من الطول وكثير من العرض، فهو بعيد ما بين الكتفين حتى لتعرفه موليا كما تعرفه مقبلا. مستوي معارف الوجه، حديد البصر، إذا قدر لك أن يحدق فيك، شعرت أن نظره لا يستقر على سطحك، بل إنه ليتغلغل في أطوائك، ويصل من نفسك إلى كل ما تضن به على الابتذال، وادع ساكن، تتجلجل الدنيا من حوله وهو ثابت ثبات الهرم الأكبر. ولقد تجلس إليه تحدثه في شئون الدنيا، فتطالعه بأجل أحداثها، فلا يتقبض ولا يختلج،

في المرآة · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٥