وبهذا أضحى المنطق شبيها بالرياضة إن لم يكن شعبة منها. وأما الفلسفة الحديثة، فلسفة الغرب، فقد تبسطت قواعدها حتى تناولت نجوى القلب وحديث الوجدان! وأدخلت هذا في جملة الأقيسة التي تعتبر نتائجها، ولقد يكون هذا من الحق، فإن شعور النفس أحيانا لا يقل صوابا عن حساب الذهن، بل لقد يسبق الوجدان أحيانا، ويستشرف إلى ما لا يهتدي إليه العقل، وينقطع من دونه جهد التفكير، فليس عدلا وليس حقا أن يسقط الإنسان هذه الأداة القوية النافذة من أسباب تعرفه واستكناهه لحقائق الأشياء!
على أن هذا أيضا لا يسلم من الخطل، فكثيرا ما يكون موقع الرأي في الوجدان أثرا من آثار الهوى، أو حكم البيئة، أو الظرف الخاص، أو طول الاعتياد أو نحو ذلك مما تتجه به نزعات النفس دون أن يكون للحقائق في نفسها أي اعتبار.
وإنما سقت هذه المقدمة الطويلة، المملة أيضا، لأقرر أنني، في مسألة المرأة، رجل رجعي، لا أرد هذا إلى قياس منطقي عقلي، على الطراز القديم، إنما مرد الأمر كله إلى قياس وجداني على الطراز الحديث. نعم، لا أدعي أنني حركت في الأمر عقلي فأثبت لي بعد ترتيب الأقيسة المنطقية، أن «نهضة المرأة المصرية» غير ميسورة أو غير صالحة، إنما هي نزوة الوجدان لا تلهمني من هذا إلا أسى وتطيرا! •••
وأهاب بي صديق: «فيما تقصر مراياك على الرجال، وفي النساء من هن أفضل من كثير؟» وأول من تنظرت لي من سيدات العصر، من غير تردد، هدى هانم شعراوي، ولكن! سرعان ما مثل لي تداعي المعاني أيضا مسألة «النهضة النسوية»، إذن، سأكتب في السيدة هدى هانم شعراوي، وإذن، سأعرض برغمي لحديث «النهضة النسوية».
على أنني لم أر السيدة النبيلة، ولا بد لي قبل أن أريها مرآتي أن أراها، ولا بد لي قبل أن أتحدث عنها أن أتحدث إليها، فكيف السبيل إلى كل ذلك؟ ذلك أن أتشفع إليها بصديق لأسألها في مسألة خيرية.
وهمها في العلا والمجد ناشئة
وهم أترابها في اللهو واللعب
ولقد تفضلت السيدة الكريمة وأذنت لي في التمثل لها في قصرها الفخم القائم بإزاء دار الآثار، أو القائمة بإزائه دار الآثار.
مضيت إلى الموعد ورأسي يزدحم بجلائل الأفكار عن هذه السيدة النبيلة، المزدحم تاريخها بجلائل الأعمال، ولقد ثار المصريون في صدر سنة 1919 يطلبون نصيبهم في الحياة، وأبت كرائم السيدات أن يتخلفن في الخدور، فنفرن في خفة إلى الجهاد، وفي طليعتهن كانت السيدة هدى هانم شعراوي. ولقد يسيغ الرجل الرجعي «مثلي» هذا؛ لأننا كنا في جهاد، وهل خلا جهاد من أثر للسيدات عظيم؟ وهادننا الإنجليز وهادناهم، وسكت المدفع وتكلمت السياسة، وآبت أكثر العقائل إلى خدورهن تاركات ذاك للرجال، فذلك، في رأيي، من شأن الرجال وحدهم. وأبت هدى هانم، في سرب من ربات الحجال، إلا أن تجول في السياسة مجالا، ولعله عز على بنت سلطان باشا الذي مثل خديو مصر في البلاد يوم حاصر العرابيون الخديو في الإسكندرية وكفوه عن ولاية الحكم، والذي جرد عليه بعض الثائرين السيف فلم يتتعتع عن التشبث بما اعتقده منجاة للوطن، ولعله عز على زوجة علي شعراوي باشا الذي كان ثالث ثلاثة خاضوا، في يوم الروع، مدافع السلطة وأسنتها، وراحوا يقولون لعميدها في شمم وقوة: إن مصر تريد حريتها لأنها لا تطيق حياة الرق، فإذا كنتم ترومون أن تتصلوا بها، فلتكن صلة الأكفاء بالأكفاء لا السادة بالعبيد، لعله عز على هذه السيدة التي خاضت المجد من كل أطرافه أن تسكن أو تبلغ مصر غاية مناها من الحرية والاستقلال.
على أنها ما لبثت في ميدان السياسة أن فطنت إلى أن لها مهمة أخرى لو حررت لها مواهبها العظيمة، لكان ذلك أزد على بني وطنها، بل على قضية هذا الوطن، ولقد اجتمع للسيدة هدى هانم ما لم يجتمع لكثيرات في هذه البلاد، اجتمع لها الحسب، والغنى، والذكاء، والنشاط، والغيرة الشديدة على النفع العام.