تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن اللمسة الخفيفة والكلمة الصغيرة والنظرة السريعة والتأثر الطفيف كل هذه أمور خالدة باعتبار وقوعها وجريانها؛ لأن اليد تشعر على الدوام بأثر تلك اللمسة، والأذن لا تنسى مطلقا وقع تلك الكلمة، والعين لا يمكنها أبدا أن تمحو من صفحة بصيرتها خيال تلك النظرة، أما القلب فليس في استطاعته نسيان ما يقع عليه من التأثير مهما حاول ذلك.

قد يمكن للمرء أن ينسى بمرور الزمن بعض التأثرات التي يشعر بها، ولكنه لا يستطيع محو الأثر المعنوي الذي تتركه تلك التأثرات في مخيلته.

لكل حادثة حالتان، إحداهما قبل وقوع الحادثة والأخرى ما بعد زوالها، فهل يمكن أن تكون حالة ما قبل الحدوث شبيهة بحالة ما بعد الزوال؟ وهل تستطيع الزهرة أن تمحو من ورقتها أثر مس الفراشة لها؟ وهل يمكن للبلبل الذي قضي عليه بالأسر ردحا من الزمن أن ينسى وهو يتمتع بالحرية، تلك الساعات المرة التي قضاها في قفص الأسارة والذل؟

اللذة العميقة التي تشعر بها النفس أثر سماعها نغمة حلوة، والبهجة التي تتغلغل في أعماق قلب المحبوب أثر ما يعتريه من السرور والانشراح، لهي حالات لا يستطيع المرء نسيانها مطلقا، بل يبقى أثرها محفورا على صفحات القلب كذكرى خالدة.

فكل صفحة أو حادثة في الحياة محكوم عليها بالزوال والنسيان، وإنما التأثير الناشئ عن زوال هذه الصفحة من كتاب الحياة فباق لا يزول.

| الفصل الخامس

من الغريب أنه توجد إحساسات خفية في الدماغ الإنساني كامنة فيه منذ الأزل، كالبذور الكامنة في باطن الأرض، لا يشعر بوجودها الإنسان طالما تظلله أغصان الراحة والسعادة، فإذا ما هبت عليه إحدى العواصف رأيت تلك البذور الكامنة في حجيرات دماغه المغمورة بأمطار اليأس وغيوث الآلام، آخذة في النمو شيئا فشيئا، حتى تظهر ما لها من لون وقوام.

وحجيرات الدماغ شبيهة بالأرض، إما أن تكون خصبة جيدة التربة، أو يبابا قليلة الخير والبركة، فإذا كانت خصبة انكشفت تلك البذور عن رياحين عطرة وأزهار جميلة ذات بهجة ورواء، أما إذا كان منبت تلك البذور الآخذة بأسباب الحياة أرضا عقيمة، فلا تلبث تلك الحشائش النضرة التي أنبتتها سيول المصائب أن تنقلب إلى أعشاب سامة وحشائش مضرة، إلا أنه لكل قاعدة شذوذ؛ فالأرض المشهورة بجودة محصولها قد تنبت وردة سامة، كما أن الغصن النابت في أرض غامرة قد يورق عن أزهار نفيسة ذات أريج عطري؛ ذلك لأن الدماغ الإنساني مجمع للأضداد، وأكثر الحجيرات ظهورا في الرأس المملوءة بالنور قد تكون بؤرة مظلمة، ومن نقطة واحدة في أعماق ذلك الدماغ تظهر حبات النزاهة والسمو بجانب بذور الدناءة والخسة.

في العالم الزراعي، إذا آنس الناس خيرا في أرض قاحلة تعهدوها بالعناية والتطهير، أما في العالم الإنساني، فالوسيلة الوحيدة لإظهار كوامن الحجيرات في الدماغ هي تعرضها لأمطار المصائب وسيول النوائب.

المصائب والأخطار مجال لتقدم الإنسان، فكل عسر مادي يعقبه يسر معنوي، والآلام والأشواق التي تمحوها يد الحزن قد تنبت مكانها أزهار ذات لون بديع تعطر بشذاها عوالما أخرى.

| الفصل السادس

إذا كان التاريخ عبارة عن تكرر الحوادث، فالبشرية من جميع الوجوه ليست سوى تقليد؛ إذ إن كل شخص هو نسخة ثانية من شخص آخر، وأعماله وأقواله تؤيد هذه الدعوى.

الإنسان مقلد بفطرته، لا يكاد يستحسن شيئا حتى يأخذ في تقليده جهد الطاقة؛ فهو لذلك أسير التشبه، ويفضل على الدوام أن ينسج على منوال غيره من أن يتشبه به إنسان آخر، وبالإجمال فكل حركاته وأطواره تقليد ومحاكاة.

أروني معنى مبتكرا لم تردد الأجيال السالفة صدى ذكراه؟ ومن يستطيع أن يثبت أن الحكمة الرائعة والكلمة الطيبة التي تلوكها أفواه الناس في يومنا هذا لم تكن كذلك منذ أجيال؟ وهل يمكننا أن نعرف منشأ آثار الرحمة التي تظهر فينا على حين غفلة؟ ومن أي بطن انتقلت إلينا؟ أم هل يمكن للإنسان أن يعرف من أي جدوده ورث ما يعتريه من اللطف وكرم الأخلاق؟ نرى هذه الأمور فينا ونشاهد وقوعها في نفس الظروف التي وقعت فيها سالفا فيشتد إعجابنا بهذا الانعكاس الأزلي، ولا نتمالك من أن نردد مع من يقول: «التاريخ يعيد نفسه.»

السراب · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السرابص ٥