تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يتمالك الفاتح عن إظهار إعجابه الشديد واستحسانه الزائد لما رآه من سهر عدوه وتفانيه بالدفاع؛ لأنه كان من عشاق الفضيلة ومقدري الأعمال المجيدة، ولو أتت عن يد أعدائه وكانت موجهة ضده.

وبينا كانت حلقات الحصار آخذة بالتحكم ظهر في البحر مقدار خمس عشرة سفينة أرسلت للأخذ بناصر الروم وإمداد القسطنطينية، وظلت شهرا في عرض البحر تترقب من الريح المضادة مجرى، فقام لمقابلتها مائة وخمسون سفينة بين كبرى وصغرى من الأسطول العثماني، ونزل السلطان بذاته ليرى ما يتم عليه الأمر بين الأسطولين.

كانت سفن العدو كبيرة جدا ومجهزة بالمدافع الكافية، وربانها ونوتيتها على خبرة تامة بالفنون الحربية، بعكس العثمانيين الذين ما أعاروا البحرية جانب الاهتمام قبل الفاتح، بل قبيل التشبث بفتح القسطنطينية. وكان أمير البحر بالطة أوغلي عديم الكفاءة قليل الاختبار، فجاء إنشاء الجواري العثمانية ناقصا وقوة سيرها ضعيفة، ولم يكن لديها مدافع كافية ونوتية تعودت الإقامة بين السماء والماء.

ابتدأت الحرب البحرية، وأخذت قذائف العدو تغشى أديم الماء، لا سيما زيوت النفط التي كانت تجري وهي شاعلة، فكان مشهدا هائلا جمع بين النقيضين وساوى بين الضدين «النار والماء».

أمام هذا المنظر المهيب وقف الأسطول العثماني لا يبدي حراكا، وقد تحركت أخيرا منه سفينتان بفعل الأمواج فاصطدمتا معا واحترقتا بتاتا.

لا تسل على الفاتح وشدة انفعاله من بطأة أسطوله وعدم تمكنه من أسطول العدو الذي لا يعادل عشر ما عنده، وعد ذلك عارا كبيرا عليه وعلى جنده الذي أذل به كل أوروبا، واندفع بجواده إلى البحر لا يعي على شيء، فأخذت الحمية رجال الأسطول وتحركوا بعد السكون وهجموا هجمة عنيفة صارت بها الحرب سجالا، تتراوح بين كثرة عديد السفن العثمانية وتفاني نوتيتها وبين دربة العدو وحنكته، إلى أن هبت ريح موافقة للعدو، فمرت سفائنه بسرعة ودخلت المرفأ؛ لأن الأروام كانوا أرخوا طرفي الزنجير من غلطة وسراي بروني.

ولما بدأت هذه المقدمات أخذ خليل باشا يقنع الفاتح ويستميله لقبول الصلح، زاعما أنه لا يستبعد أن ترد النجدات إلى القسطنطينية وتزيد الحال إشكالا، وقد كاد يفلح لولا سابق ظن السلطان به في سلطنته الأولى ومعرفته حقيقة أمره وسوء طواياه، فكان يقتصر على استشارة زغنوش باشا وآق شمس الدين والملا كوراني ومن شاكلهم من الأجلاء والفضلاء، ويعول عليهم في المهمات ويرجع إليهم في المعضلات.

ثبت الفاتح على مبدئه من حيث مواصلة الحرب، بيد أنه كان يقدر حرج الموقف ووعورة المسلك، ويتطير من حرق السيارة ومقاومة حصون القسطنطينية لمدافعه الضخمة، وعدم مقابلة أسطوله أسطول عدوه.

شأن العاجز في الشدة اليأس والقنوط، والقادر الثبات والمثابرة على العمل. كذلك كان شأن الفاتح في أعماله؛ فإنه لما قطع خيط الأمل من قطع زنجير الخليج واعتقد أن محاولته المحال لا تجدي نفعا ولا تغني فتيلا، قدح زناد فكره واستضاء بنبراس عمله، وقرر أمرا لا يخطر على قلب بشر؛ وذلك فتح طريق برية من طولمة باغجة إلى قاسم باشا تسير عليها السفن، ورسم مصورها بيده وأمر بوضع سبعين سفينة عليها، وبعد أن فتحت أشرعتها اجتمع كل موجود في غلطة من إنسان وحيوان، واشتغلوا بجر هاته السفن وتسييرها في الليل، حتى إذا ما انبلج فرق الصباح كانت جميعها راسية في الخليج.

رأى العدو سفن العثمانيين ولم يكن يتوقع تلك الرؤية، وظن أنه في حلم، وهو معذور في ظنه؛ لأن هذا العمل العظيم الذي ناب به السهل والجبل مناب البحر، وسارت به المراكب في طريق يصعب سلوكه على المركبات، لا شك معجزة من المعجزات الباهرات، وخارقة من خوارق العادات.

وبعد أن خفت وطأة الدهش والحيرة التي استولت على العدو من جراء ذلك، قام يحاول إحراق السفن العثمانية وإغراقها عبثا؛ لأن السلطان كان على بينة من نوايا عدوه ويقظا على أسطوله.

سيرة الفاتح · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٧