3
لا ينفكون عن إعمال أيدي التخريب في بلاد المجر وجرمانيا.
بادر الفاتح بعد مضي هاتين السنتين السلميتين إلى تجديد تجريدته على البندقية، وقرر إيفاد أمير أمراء الروملي على حصار أقجه حصار - مركز حكومة إسكندر بك الألباني حال حياته - وأمير أمراء البوسنة مع الأقنجية على راغوزة، وأحمد باشا كدك على فتح أشقودرة، فاستقال الأخير من هذا المنصب لصعوبة الأمر وخطورته، فسقط من عيني السلطان وآلى على فتح الحرب بنفسه.
ومن حسن الحظ أن ملك صقلية قدر مكانة الفاتح الحربية حق قدرها، وعلم علم اليقين أن غضب السلطان يعمل عملا أشد من سخط العالم المسيحي بأسره، فرأى من الحكمة والتعقل عقد صلح شريف، وأمضيا بذلك اتفاقا كان أول ما عاهدت به الدولة العثمانية دولة مسيحية.
وجنح ملك المجر إلى السلم أيضا، فأصبح جمهور البندقية عزلا من كل سلاح وبعيدا عن النصراء والظهراء، وقد بلغت الأقنجية إلى عاصمته واستولى اليأس والرعب على بلاده، فبعث إلى السلطان يطلب الصلح والسلام.
قابل السفير السلطان في صحراء صوفية وعرض عليه شروط الصلح، فلم يعبأ بها الفاتح؛ لأن رأس مطاليبه تسليم أشقودرة، والبندقية ترى في ذلك مساسا بشرفها، فلم تجد هذه السفارة نفعا ولم تغن عن الحرب فتيلا.
أرسل الفاتح داود باشا على حصار أشقودرة، وتوجه هو بذاته على أقچه حصار، وقد كان لها سنة واحدة وهي مثقلة بقيود الحصار، فلما رأى أهلوها أن القوة العثمانية أصبحت في ازدياد، وأن فتح المدينة أضحى قاب قوسين أو أدنى سلموا ليسلموا من خطر الحروب وويلاتها، فاستأنف الفاتح سفره إلى أشقودرة لأنه كان يرمي إلى ضبط حدود الروملي، والتحق بجيشه الذي أرسله أمامه لإصلاح الطرق.
إذا اعتبرنا أن حصار إستانبول كان مبتدأ اختراعات الفاتح في فن المدفعية، فإن حصار أشقودرة كان خبرها وغاية كمالاتها.
وقد كانت قلعة أشقودرة في ذروة جبل، يكتنفها من الغرب بحيرة ومن الجنوب الغربي نهر بويانة الذي ينبع منها وينصب في خليج فينسيا (ونديك)، ومن الشمال الشرقي نهر درنة، ويتلاقى في النهر الأول عند رأس البحيرة، ولها غير هذه الاستحكامات الطبيعية ثلاثة حصون تسمى لش ودرغوش وكول باشي (رأس البحيرة)، فلش على ملتقى النهرين، ودرغوش مطل على المدينة، وكول باش قائم في ثغر البحيرة. أما جمهور البندقية فقد تدبر الأمر وأتم نواقص أشقودرة وحصنها تحصينا مهما، ولم يدع فيها رجالا سوى المحاربين وبعض نساء قليلات كي يتعهدن خدمة الجيش؛ لأنه كان يعلم مبلغ نوايا السلطان من فتح أشقودرة والضرب في عرض الروملي منذ أول مرة حوصرت بها أشقودرة .
ولما دنا السلطان من القلعة وجد أن جيش الروملي قد خيم على ربوة تسمى باشا تبة سي (ربوة الباشا)، وجيش الأناضول على نهر درنة، فاستحسن موقعيهما حتى إنه شبه أحدهما بوكن الشواهين.
ورأى أن أعمال داود باشا لا تفي بالغرض المطلوب، فقسم الجيش الذي أتى به هو إلى الجهات الموافقة، وقطع خط الاتصال بين قلعة العدو والماء بواسطة السفن التي أقامها هناك، وبنى جسرا على النهر محصنا من طرفيه ليؤمن معه مرور جنده وعبوره. وكان الجيش قد تمكن من وضع مدفعين قبالة أحد الأبراج، يرمي الأول قذيفة تزن أربعة قناطير، والثاني ثلاثة قناطير، وكلاهما لا يرمي أكثر من سبع أو ثماني مرات في اليوم. وكانت القلعة محاطة بوعور وهضبات، فلم يفلح الفاتح في رفع المدافع التي أحضرها معه ووضعها في النقاط الحاكمة، ولكنه لم يعدم وسيلة وهو على ما هو عليه من الذكاء النادر المثال، فأنشأ في تسعة أماكن تشرف على القلعة مسابك خاصة لسبك المدافع، فعملت له هذه المسابك تسعة مدافع من طراز هاون بالعيار الآتي:
عدد
وزن القذيفة قنطار
1
4
2
6
1
6 ونصف
1
7
1
9 ونصف
2
12
1
13
والمدفع الأخير هو أعظم مدفع ذكرته التواريخ، وايم الحق إن هذه الأعمال الهامة والإقدام الغريب لا يتأتى إلا لرجل عظيم كالفاتح الذي يشبه الأمواج الهائلة التي تلاطم الصخور فتصدها، ثم لا تلبث أن تهجم بأشد وأنكى حتى تصدعها وتزيل ما بطريقها من العقبات.