فَصْلٌ ( فِي خَوَاصِّ الْمَاءِ ) .
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ وَتُعْرَفُ جَوْدَةُ الْمَاءِ بِصَفَائِهِ ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ رَائِحَةٌ ، وَأَنْ يَكُونَ عَذْبَ الطَّعْمِ حُلْوًا خَفِيفًا وَزْنُهُ ، بَعِيدَ الْمَنْبَعِ طَيِّبَ الْجَرْيِ بَارِزًا لِلشَّمْسِ وَالرِّيحِ لِيَنْقَصِرَ كَثِيرًا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ سَرِيعَ الْحَرَكَةِ وَالْجَرْيِ ، آخِذًا إلَى الشَّمَالِ مِنْ الْجَنُوبِ أَوْ مِنْ الْغَرْبِ إلَى الشَّرْقِ ، يَسْخُنُ سَرِيعًا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ ، وَيَبْرُدُ عِنْدَ غُرُوبِهَا عَنْهُ ، وَيَنْحَدِرُ عَنْ الْمَعِدَةِ سَرِيعًا وَيُخَفِّفُ ثِقَلَ الطَّعَامِ عَلَيْهَا .
قَالَ أَبُقْرَاطُ : الْمَاءُ الَّذِي يَسْخُنُ سَرِيعًا ، وَيَبْرُدُ سَرِيعًا أَخَفُّ الْمِيَاهِ ، وَالْمَاءُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ بَارِدًا رَطْبًا ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ ، فَالْمَكْشُوفُ لِلشَّمَالِ خَاصَّةً فِيهِ يَبَسٌ فَيُكْتَسَبُ مِنْ رِيحِ الشَّمَالِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْجِهَاتِ بِحِسِّهَا وَمَا يَنْبُعُ مِنْ مَعْدِنٍ فَلَهُ طَبِيعَةُ ذَلِكَ الْمَعْدِنِ ، وَيُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ تَأْثِيرَهُ وَسَيَأْتِي .
وَنَفْعُ الْمَاءِ الْبَارِدِ مِنْ دَاخِلٍ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ مِنْ خَارِجٍ ، وَالْحَارُّ بِالْعَكْسِ ، وَيَنْفَعُ الْبَارِدُ مِنْ عُفُونَةِ الدَّمِ وَالْحُمَّيَاتِ الْمُحْتَرِقَةِ وَصُعُودِ الْأَبْخِرَةِ إلَى الرَّأْسِ ، وَيَدْفَعُ الْعُفُونَاتِ وَيُوَافِقُ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَسْنَانَ وَالْأَزْمِنَةَ وَالْأَمَاكِنَ الْحَارَّةَ وَيُقَوِّي الْقُوَى الْأَرْبَعَ الْجَاذِبَةَ وَالْمَاسِكَةَ وَالْهَاضِمَةَ وَالدَّافِعَةَ عَلَى أَفْعَالِهَا .
وَيُقَوِّي الشَّهْوَةَ وَيُحَسِّنُ وَيُهَضِّمُ بِجَمْعِهِ الْمَعِدَةَ عَلَى الْغِذَاءِ ، وَيَحْفَظُ الصِّحَّةَ ، وَيَنْفَعُ التَّخَلْخُلَ وَالسَّيَلَانَ ، وَيَضُرُّ كُلَّ حَالَةٍ تَحْتَاجُ إلَى نُضْجٍ وَتَحْلِيلٍ كَالزُّكَامِ وَالْأَوْرَامِ ، وَالشَّدِيدُ الْبَرْدِ يُؤْذِي الْأَسْنَانَ وَالْإِدْمَانُ عَلَيْهِ يُحْدِثُ انْفِجَارَ الدَّمِ وَالنَّزَلَاتِ وَأَوْجَاعَ الصَّدْرِ وَقَصَبَةِ الرِّئَةِ وَأَصْحَابَ السُّدَدِ يُضْعِفُ الْبَاهَ ، وَيَضُرُّ مَنْ أَفْرَطَ بِهِ الِاسْتِفْرَاغَ ،
وَلْيُجْتَنَبْ عَلَى الرِّيقِ وَعَقِبَ حَمَّامٍ وَجِمَاعٍ وَحَرَكَةٍ عَنِيفَةٍ كَثِيرَةٍ وَعَطَشٍ شَدِيدٍ حَادِثٍ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ النَّوْمِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَالِحٌ@