رِيَاضَةُ الْبَدَنِ كُلِّهِ ، وَهِيَ قَالِعَةٌ لِأَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ كَالْجُذَامِ وَالِاسْتِقَاءِ وَالْقُولَنْجِ .
وَرِيَاضَةُ النُّفُوسِ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّأَدُّبِ ، وَالْفَرَحِ ، وَالصَّبْرِ ، وَالثَّبَاتِ وَالْإِقْدَامِ وَالسَّمَاحَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ ، وَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى صَارَ عَادَةً وَطَبِيعَةً ثَانِيَةً .
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ الْعَوَائِدَ طَبَائِعُ ثَوَانٍ ، وَمِنْ أَبْلَغِ ذَلِكَ وَأَنْفَعِهِ الْجِهَادُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ .
وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى قَبْلَ فُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى ذِي النُّونِ وَتَضَمُّنِهِ عِلَاجَ زَوَالِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ
فِي الصَّبْرِ نَحْوَ نِصْفِ الْكِتَابِ قَبْلَ الْكَلَامِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَالزُّهْدِ وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي الصَّوْمِ وَالْجُوعِ فِي ذِكْرِ الْحِمْيَةِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُبَلِّغُ بِهِ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إذَا نَامَ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ : عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَتَانِ فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ﴾ قَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرَهُ ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الشِّعْرِ .
وَهَذِهِ الْعُقَدُ قِيلَ : حَقِيقَةٌ كَعُقَدِ السِّحْرِ ، وَقِيلَ : هُوَ قَوْلٌ يَقُولُهُ ، وَقِيلَ : هُوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمِهِ ، فَكَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ فِي نَفْسِهِ بِبَقَاءِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَجَازٌ كَنَّى بِهِ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ .
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِالذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَإِلَّا دَخَلَ فِيمَنْ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ : وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِبَعْضِ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي بَاتَ عِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ إذَا اسْتَيْقَظَ وَيُصَلِّي قَبْلَ نَوْمِهِ مَا قُدِّرَ لَهُ ، @