وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ فِي هَذَا اللَّفْظِ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ إنَّ
عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سُئِلَ عَنْ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالسَّلَامِ قَالَ : يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَبْدَؤُهُمْ بِالسَّلَامِ ، فَقَالَ لَهُ : لِمَ ؟ فَقَالَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ﴾ كَذَا قَالَ وَهُوَ غَرِيبٌ قَالَ السُّدِّيُّ : قُلْ خَيْرًا بَدَلًا مِنْ شَرِّهِمْ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : اُرْدُدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قُلْ مَا تَسْلَمُ بِهِ مِنْ شَرِّهِمْ .
وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّهْيَ عَنْ بُدَاءَتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْدَءُوهُمْ قَالَ بِدَلِيلِ مَا رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَيَقُولُ هِيَ تَحِيَّةٌ لِأَهْلِ مِلَّتِنَا ، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ نُفْشِيهِ بَيْنَنَا قَالَ : وَمُحَالٌ أَنْ يُخَالِفَ أَبُو أُمَامَةَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ كَذَا قَالَ وَأَبُو أُمَامَةَ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ بِلَا شَكٍّ وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِضْمَارِ .
وَفِي تَتِمَّةِ الْخَبَرِ ﴿ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا ﴾ وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي النَّهْيَ وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَالِكًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ وُدًّا وَلُطْفًا وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِمُجَاهَدَتِهِمْ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَمِنْ ذَلِكَ مُوَاكَلَتُهُمْ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَانَ يُقَالُ : مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ تُوَاكِلَ غَيْرَ أَهْلِ دِينِكَ ، فَأَمَّا مَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ @