وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَعْزِمُ عَلَى أَمْرٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ الصَّوَابُ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ فَيَعْلَمُ عَجْزَ نَفْسِهِ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِفُنُونِ الْمَصَالِحِ ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الِاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ وَقَدْ خَاطَرَ مَنْ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ، وَالتَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤَمِّنُكَ مِنْ النَّدَمِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَا اُسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ ، وَلَا حُصِّنَتْ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ ، وَلَا اُكْتُسِبَتْ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ فِيمَا لَمْ يَأْتِهِ بِهِ وَحْيٌ وَعَمَّهُمْ بِالذِّكْرِ وَالْمَقْصُودُ : أَرْبَابُ الْفَضْلِ وَالتَّجَارِبِ مِنْهُمْ وَفِي الَّذِي أُمِرَ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَحَدُهُمَا : أَمْرُ الدُّنْيَا خَاصَّةً ( وَالثَّانِي ) أَمْرُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَهُوَ أَصَحُّ .
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ) قَالَ تَعَالَى : ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ .
أَيْ : لَا عَلَى الْمُشَاوَرَةِ ، وَالْعَزْمُ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَذَكَرَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ ( فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ) وَأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا جِنْسٌ وَهُوَ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ ( عَزَمْتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ : إذَا أَمَرْتُكَ بِفِعْلِ شَيْءٍ فَتَوَكَّلْ ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ @