مَسْأَلَةٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَام فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي الْفُسْطَاطِ ، فَقَالَ لِي : أَنْتَ فِي تَارَانَ .
وَتَارَانُ مَوْضِعٌ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ لَا تَكَاد تَسْلَم مِنْهُ سَفِينَة ثُمَّ أَلْقَى عَلَيَّ مَسْأَلَةً فِي الْفِقْهِ فَأَجَبْت فِيهَا فَأَدْخَلَ عَلَيَّ شَيْئًا أَفْسَدَ جَوَابِي ، فَأَجَبْت
بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأَدْخَلَ شَيْئًا أَفْسَدَ جَوَابِي فَجَعَلَ كُلَّمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ ، أَفْسَدَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِي : هَذَا الْفِقْه الَّذِي فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّة وَأَقَاوِيلُ النَّاسِ يَدْخُلهُ مِثْل هَذَا فَكَيْفَ الْكَلَامُ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي الْجِدَال فِيهِ كُفْرٌ ؟ فَتَرَكْتُ الْكَلَامَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْفِقْه .
وَقَالَ أَيْضًا : حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَيُحْمَلُوا عَلَى الْإِبِلِ وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْقَبَائِل وَالْعَشَائِر ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّة وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إمَّا مِنْ عِنْدِهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْ الشَّافِعِيِّ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِكُتُبِهِ مِنْ الْعِلْمِ لِآخَرَ ، وَكَانَ فِيهَا كُتُبُ الْكَلَامِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ .
وَقَالَ نُوحٌ الْجَامِعُ : قُلْتُ : لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَحْدَثَ النَّاسُ فِي الْكَلَامِ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ فَقَالَ : مَقَالَاتُ الْفَلَاسِفَةِ ، عَلَيْكَ بِطَرِيقِ السَّلَفِ وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ .
وَقَالَ عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ الْعَطَّارُ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ ، وَتَرْكُ الْخُصُومَاتِ ، وَالْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ ، وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ .
وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ إلَى أَنْ قَالَ لَا تُخَاصِمْ أَحَدًا وَلَا تُنَاظِرْهُ ، وَلَا تَتَعَلَّمْ الْجِدَالَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَدَرِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ إنْ أَصَابَ بِكَلَامِهِ السُّنَّةَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجِدَالَ .
وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ غَالِبٍ الْوَرَّاقُ : قُلْت لِأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ
لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَعْرِفُ السُّنَّةَ غَيْرِي ، فَيَتَكَلَّمُ مُتَكَلِّمٌ مُبْتَدِعٌ أَرُدُّ عَلَيْهِ قَالَ : لَا تَنْصِبْ نَفْسَكَ لِهَذَا ، أَخْبِرْ بِالسُّنَّةِ وَلَا تُخَاصِمْ ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ .
فَقَالَ : مَا أَرَاك@