فَإِنْ قِيلَ : قَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ فِي فُصُولِ الطِّبِّ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ أَعْدَلُ اللِّبَاسِ وَأَوْفَقُهُ لِلْبَدَنِ فَلِمَ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ ؟ قِيلَ : لِتَصْبِرَ النَّفْسُ عَنْهُ فَتُثَابَ وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ ، وَقِيلَ : فِي إبَاحَتِهِ مَفْسَدَةُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَقِيلَ : لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ضِدُّ الشَّهَامَةِ وَالرُّجُولِيَّةِ ، وَقِيلَ : لِمَا يُورِثُهُ لُبْسُهُ مِنْ الْفَخْرِ وَالْعُجْبِ ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْحِكَمَ وَالتَّعْلِيلَ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَوَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ ( فِيمَا يُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ كَالْعَلَمِ وَالزِّرِّ ) .
وَيُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ عَلَمُ الثَّوْبِ وَرُقْعَتُهُ وَلَبِنَةُ جَيْبِهِ وَسَجْفُ الْفِرَاءِ وَنَحْوُهَا قَدْرُ كَفٍّ حَرِيرٍ عَرْضًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ : بَلْ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٌ فَأَقَلُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِمُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ وَفِي الْعَلَمِ الْمُذَهَّبِ قَدْرُ كَفٍّ أَوْ أَقَلُّ وَالزِّرُّ الذَّهَبِيُّ وَنَحْوُهُمَا وَجْهَانِ .
وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ الدَّقِيقِ دُونَ الْعَرِيضِ وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَلَمِ إنْ كَانَ عَرِيضًا كُرِهَ وَلَا بَأْسَ بِالدَّقِيقِ ، وَمَنْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ أَنْ لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ .
وَتُبَاحُ الْخِيَاطَةُ بِحَرِيرٍ وَمَا تُلَفُّ بِهِ رُءُوسُ الْأَكْمَامِ وَفُرُوجُ الثِّيَابِ وَالرَّقْمِ فَوْقَ ثَوْبِ قُطْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا : وَيُبَاحُ الْخَزُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيرٌ ، وَوَبَرٌ طَاهِرٌ مِنْ أَرْنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَاكَ مُحْدَثٌ بِأَنَّ الْخَزَّ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ بِخِلَافِ ذَاكَ فَهَذَا الْفَرْقُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَرْقُ الْأَوَّلُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ@