وَقَالَ آخَر : الْفَقْرُ يُزْرِي بِأَقْوَامٍ ذَوِي حَسَبٍ وَقَدْ يُسَوِّدُ غَيْرَ السَّيِّدِ الْمَالُ وَقَالَ آخَر : أَرَى دَهْرَنَا فِيهِ عَجَائِبُ جَمَّةٌ إذَا اُسْتُعْرِضَتْ بِالْعَقْلِ ضَلَّ بِهَا الْعَقْلُ أَرَى كُلَّ ذِي مَالٍ يَسُودُ بِمَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَا أَصْلٌ هُنَاكَ وَلَا فَضْلُ فَشَرِّفْ ذَوِي الْأَمْوَالِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ فَقَوْلُهُمْ قَوْلٌ وَفِعْلُهُمْ فِعْلُ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : وَالنَّاسُ حَيْثُ يَكُونُ الْمَالُ وَالْجَاهُ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ يَا عَمْرُو نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ﴾ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَذَمِّهَا قَبْلَ فَصْلِ آدَابِ الْمُصَافَحَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ لِبَنِيهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَا بَنِيَّ عَلَيْكُمْ بِالْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ فَإِنَّهُ يُنَبِّهُ الْكَرِيمَ ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ اللَّئِيمِ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْكَسْبُ قَدْ يُفْتَرَضُ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّل ، فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَهُوَ أَنْ لَا
تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِنَفْسِهِ .
وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ قَالَ وَالْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ أَوْ يَسْتَعِفُّ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ انْتَهَى كَلَامُهُ .@