وهاهو ذا ابنُ مجاهدٍ وهو من سبَّعَ السبعةَ بعدَ أنْ ذكرَ أنَّ ابنَ عامرٍ وحدَهُ قرأَ بنصبِ ﴿فيكون﴾ في قولِهِ تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (1)، ورفعَها باقي السَّبعةِ، يقولُ: " وهو غلطٌ ". (2)
وقالَ عنْ آيةِ سورةِ آل عمران: " ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (3): " قرأَ ابنُ عامرٍ وحدهُ: ﴿كنْ فيكونَ﴾ بالنَّصبِ، قالَ أبو بكر: وهو وهمٌ، وقالَ هشام بنُ عمارٍ: كانَ أيوبُ بنُ تميمٍ يقرأُ ﴿فيكونَ﴾ نصبًا، ثمّ رجعَ فقرأَ ﴿فيكونُ﴾ رفعًا ". (4)
الفرَّاء ومعانيه: (5)
هو الأمامُ الحافظُ أبو زكريا يحيى بنُ زيادِ بنِ عبدِ الله بنِ منظورٍ الدَّيلميّ مولاهم، الكوفيُّ النَّحويُّ. لُقَّبَ بالفرَّاء؛ لأنَّهُ كانَ يَفري الكلامَ، أي: يُحسنُ تقطيعَهُ وتفصيلَهُ.
قالَ سَلَمَةُ: "إنِّي لأعجبُ منَ الفراءِ يُعظِّمُ الكسائيَّ وهو أعلمُ بالنَّحوِ منهُ ".
وقالَ ثعلبٌ غيرَ مرّةٍ: " لولا الفرَّاءُ ما كانتْ عربيةٌ؛ لأنَّهُ حصَّنها وضبطَها، ولولا الفرَّاءُ لسقطتِ العربيةُ؛ لأنَّها كانتْ تُتَنازعُ ويدَّعيها كلُّ من أرادَ، و يتكلَّمُ النَّاسُ فيها على مقاديرِ عقولِهم وقرائحِهم فتذهبُ ".
كانَ أبرعَ الكوفيينَ وأعلمَهم، وقال أبو بكر بنُ الأنباريّ: " لو لم يكن لعلماءِ بغدادَ والكوفةِ من علماءِ العربيَّةِ إلا الكسائيَّ والفرَّاءَ لكان لهم بهما الافتخارُ على جميع النّاس، وكان يقالُ: الفراءُ أميرُ المؤمنينَ في النَّحوِ ".
قالَ ثعلبٌ: " كُتبُ الفرَّاءِ لا يُوازى بها كتابٌ، وقد أملى الفرَّاءُ كتبَهُ كلَّها حفظًا إلا كتابينِ، ويذكرُ أبو العباسِ ثعلبٌ السببَ في إملاءِ كتابِ معاني القرآنِ، وذلكَ " أنَّ عُمرَ بنَ بكيرٍ كانَ من أصحابهِ، وكانَ معَ الحسنِ بنِ سهلٍ؛ فكتبَ إلى الفرَّاءِ: إنَّ
(1) سورة البقرة / 117.
(2) ينظر: السبعة لابن مجاهد 168 ـ 169.
(3) سورة آل عمران / 49.
(4) ينظر: السبعة لابن مجاهد 206 ـ 207.
(5) ينظر في ترجمته: طبقات النحويين و اللغويين 131 ـ 133، ونزهة الألباء 81 ـ 84، وإنباه الرواة 4/ 6 ـ 23، وبغية الوعاة 2/ 333، وإشارة التعيين 379.