تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وَ) عِلْماً بِـ (أنَّ هذا العلْمَ) وهوَ علمُ الفرائضِ (مخصوصٌ بما قدْ شاعَ فيهِ عندَ كلِّ العُلَمَا بأنَّهُ أَوَّلُ علمٍ يُفْقَدُ في الأرْضِ) بالكُلِّيَّةِ (حتَّى لا يكادَ يُوجَدُ)؛ أيْ: حتَّى لا يَقْرَبَ من الوِجْدَانِ.

وما فُقِدَ حقيقةً يَصْدُقُ عليهِ أنَّهُ لا يَقْرُبُ من الوِجْدَانِ. وما فَهِمَهُ الشيخُ بدرُ الدِّينِ سَبْطُ المَارْدِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ منْ كلامِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، حَيْثُ قالَ: أيْ يَقْرُبُ منْ عدمِ الوِجْدَانِ فليسَ بظاهرٍ؛ لأنَّ (لا) النافيَةَ داخلةٌ في كلامِهِ على (يَكَادَ)، لا على (يُوجَدُ)، والنفيُ إذا دخلَ على (كَادَ) يكونُ للإثباتِ.

وإنَّمَا شاعَ عندَ العلماءِ أنَّهُ أَوَّلُ علمٍ يُفْقَدُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ مَاجَهْ وابنُ المُبَارَكِ والحاكمُ في المُسْتَدْرَكِ عنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ مَرْفُوعاً: ((تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ؛ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِي))، رواهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وقالَ: انْفَرَدَ بهِ حَفْصُ بنُ عُمَرَ، وليسَ بالقويِّ.

ولَمَّا كانَ علمُ الفرائضِ مَنْ يَشْتَغِلُ بهِ قليلٌ؛ لِتَوَقُّفِهِ على علمِ الحِسَابِ، وتَشَعُّبِ مَسَائِلِهِ، وارتباطِ بعْضِها ببعْضٍ، كما في مسائلِ الجَدِّ والإِخْوَةِ وغَيْرِها، كانَ عُرْضَةً للنسيانِ؛ فلأجلِ هذا حَثَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على تَعَلُّمِهِ وتَعْلِيمِهِ.

وأمَّا قولُهُ: فإنَّهُ نِصْفُ العلمِ، فَاخْتُلِفَ في معناهُ على أَوْجُهٍ:

أَقْرَبُها: أنَّ للإنسانِ حَالتَيْنِ: حالةَ مَوْتٍ، وحالةَ حَيَاةٍ.

وفي الفرائضِ مُعْظَمُ الأحكامِ المُتَعَلِّقَةِ بالموتِ. وقيلَ غيرُ ذلكَ مِمَّا أَضْرَبْنَا عنهُ خوفَ الإطالةِ.

وقدْ وردَ في علمِ الفرائضِ أيضاً من الأحاديثِ والآثارِ مِمَّا يَدُلُّ على فَضْلِهِ وشَرَفِهِ أشياءُ كثيرةٌ فَرَاجِعْهَا في المُطَوَّلاتِ.

وأَنَّ زَيْداً خُصَّ لا مَحَالَهْ بِمَا حَبَاهُ خَاتَمُ الرِّسَالَهْ

(و) عِلْماً بِـ (أنَّ زيداً) الإمامَ المذكورَ (خُصَّ) مِنْ بَيْنِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم (لا مَحَالَةَ). قالَ ابنُ الأثيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (النهايَةِ): أيْ لا حِيلَةَ. ويجوزُ أنْ يكونَ من الحَوْلِ والقُوَّةِ، أو الحركةِ، وهيَ مَفْعَلَةٌ منهما، وأكثرُ ما تُسْتَعْمَلُ بمعنى (اليقِينِ) أوْ (الحقيقَةِ)، أوْ بمعنى (لا بُدَّ)، والميمُ زائدةٌ، انْتَهَى.

فيكونُ المعنى: وإنَّ زيداً خُصَّ حقيقةً، أوْ يَقِيناً، أوْ لا بُدَّ (بِمَا حَبَاهُ) أوْ أعطاهُ. والحَبْوَةُ: العَطِيَّةُ، والحَبَا: العَطَا، (خَاتَمُ الرِّسَالَهْ) وَالنُّبُوَّةِ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

مِنْ قَوْلِهِ في فَضْلِهِ مُنَبِّهَا ... أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ ونَاهِيكَ بِهَا

(مِنْ قَوْلِهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (في فَضْلِهِ)؛ أيْ: فضلِ زيدِ بنِ ثابتٍ المذكورِ (مُنَبِّهَا) على فَضْلِهِ وشَرَفِهِ: ((أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ)). وذكرَ ابنُ الصَّلاحِ أنَّ الترمذيَّ والنسائيَّ وابنَ مَاجَهْ رَوَوْهُ بإسنادٍ جَيِّدٍ. قالَ: وهوَ حديثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى.

وروى الترمذيُّ في جَامِعِهِ بإسنادٍ صحيحٍ عنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ بلفظِ: ((أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْفَرِيضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ))، وإنَّما قالَ ذلكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ ابنُ الهائمِ –نَقْلاً عن المَاوَرْدِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تعالى- قالَ: للعُلَمَاءِ في ذلكَ خمسةُ أَوْجُهٍ، وعَدَّهَا إلى أنْ قالَ:

الخامسُ: أنَّهُ قالَ ذلكَ؛ لأنَّهُ كانَ أَصَحَّهُم حِسَاباً، وأَسْرَعَهُم جَوَاباً. ثمَّ قالَ المَاوَرْدِيُّ: ولأجلِ هذهِ لمْ يَأْخُذ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ إلاَّ بقولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، انْتَهَى.

وقولُهُ (وَنَاهِيكَ بِهَا)؛ أيْ: بهذهِ الشهادةِ منْ سَيِّدِ البشرِ خَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أيْ: حَسْبُكَ بها؛ لأنَّها غايَةٌ تَنْهَاكَ عنْ أنْ تَطْلُبَ غيْرَها؛ فهيَ تَكْفِيكَ، انْتَهَى.

فَكَانَ أَوْلَى باتِّبَاعِ التَّابِعِي لا سِيَّمَا وقدْ نَحَاهُ الشَّافِعِي

شرْح الرحْبِيَّة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرْح الرحْبِيَّةص ٦