ويجري خلافُ المذكورِ فيما إذا عُلِمَ السَّبْقُ ولمْ يُعْلَم السابقُ، وحيثُ لمْ تُوَرِّثْ أحدَهُم من الآخرِ شيئاً فَهُم كالأجانبِ، فلذلكَ قالَ:
وعُدَّهُمْ كأنَّهُم أجانِبُ ... فَهَكَذَا القولُ السديدُ الصائِبُ
(وعُدَّهُم)؛ أي: المَوْتَى بغَرَقٍ ونَحْوِهِ (كأنَّهُم أجانِبُ)؛ أيْ: لا قرابةَ بينَهم ولا غَيْرَها مِمَّا يقتضي الإرثَ، (فهكذا القولُ السَّدِيدُ) الصوابُ.
يُقَالُ: سَدَّ الشيءُ سَدَاداً، إذا كانَ صَوَاباً. وأَسَدَّ الرجلُ: جاءَ بالصَّوَابِ في قولٍ أوْ فِعْلٍ، ورجلٌ مُسَدَّدٌ: مُوَافِقٌ للصوابِ.
فقَوْلُهُ (الصَّائِبُ)؛ أي: المُصِيبُ غيرُ المُخْطِئِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. (1)
فائدةٌ: إذا عُلِمَ موتُ أحدِ المُتَوَارِثَيْنِ بالغرقِ ونَحْوِهِ بعدَ الآخرِ مُعَيَّناً ولمْ يُنْسَ، فالأمرُ واضحٌ أنَّ المُتَأَخِّرَ يَرِثُ المُتَقَدِّمَ اجتماعاً. وإنْ عُلِمَ مَوْتُهُما مُرَتَّباً وعُيَّنَ السابقُ ثمَّ نُسِيَ وُقِفَ الأمرُ إلى البيانِ والصلحِ.
وبهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تحتَ أحوالِ الغَرْقَى خمسةُ أحوالٍ: (2)
ولمَّا أَنْهَى المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى الكلامَ على ما أرادَ أنْ يُورِدَ في هذهِ المنظومةِ خَتَمَهَا بحمدِ اللَّهِ، والصلاةِ والسلامِ على رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والدعاءِ، كما ابْتَدَأَهَا بذلكَ؛ رَجَاءَ قَبُولِ ما بينَهُما، قالَ:
والحَمْدُ لِلَّهِ على التَّمَامِ حَمْداً كثيراً تَمَّ في الدَّوَامِ
(والحمدُ لِلَّهِ على التمامِ)؛ أيْ: تمامِ الكتابِ؛ أيْ: كمَالِهِ (حمداً كثيراً تَمَّ)؛ أيْ: كَمُلَ (في الدوامِ)؛ أي: البقاءِ؛ أيْ: حَمْداً كثيراً دائماً. والحمدُ على النعمةِ هوَ الشكرُ في اللغةِ، وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ بالشرعِ.
أَسْأَلُهُ العفوَ عن التقصيرِ وخيرَ ما نَأْمَلُ في المَصِيرِ
(أَسْأَلُهُ العفْوَ)؛ أيْ: تَرْكَ المُؤَاخَذَةِ صَفْحاً وكَرَماً، (عن التقصيرِ)؛ أي: التَّوَانِي في الأمورِ، (وخيرَ ما نَأْمَلُ)؛ أيْ: + (في المصيرِ)؛ أي: المَرْجِعِ، والمرادُ بهِ يومُ القيامةِ، يومٌ+ يَرْجِعُ فيهِ الخلقُ إلى اللَّهِ تعالى.
قالَ اللَّهُ تعالى ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾. (3)
وغَفْرَ ما كانَ منَ الذنوبِ وسَتْرَ ما شَانَ منَ العيوبِ
(وغَفْرَ)؛ أيْ: سَتْرَ، (ما كانَ من الذُّنُوبِ) فلا يُظْهِرُهَا بالعِتَابِ عليها. والذُّنُوبُ: جمعُ ذَنْبٍ، وهوَ الجُرْمُ، (وسَتْرَ)؛ أيْ: تغطيَةَ (ما شَانَ)؛ أيْ: قَبُحَ من الشَّيْنِ، وهوَ القُبْحُ، (من العيوبِ) جمعُ عَيْبٍ، وهوَ النقصُ.
وأفضلُ الصلاةِ والتسليمِ على النبيِّ المُصْطَفَى الكريمِ
(وأفضلُ الصلاةِ والتسليمِ على النبيِّ المُصطفَى)؛ أي: المختارِ من الخَلْقِ؛ ليدْعُوَهُم إلى الدِّين الإسلاميِّ. والمُصْطَفَى من الصَّفْوَةِ، وهيَ الخُلُوصُ، فأُبْدِلَت التاءُ طاءً. (الكَرِيمِ) بفتحِ الكافِ. قالَ العلاَّمَةُ سَبْطُ المارْدِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " على الأفصحِ، ويجوزُ كَسْرُهَا، وهوَ نقيضُ اللئيمِ "، انْتَهَى. وهوَ: الجَوَادُ، والجامعُ لأنواعِ الخيرِ والشَّرَفِ والفضائلِ، أو الصَّفُوحُ.
(1) قوله (عطف تفسير) قلت: ليس من كلام الناظم عطف، وإنما هي صفة موضحة.
(2) قد أسقط الشارح بيتين من النظم، وهما:
وقد أتى القول على ما شئنا من قسمة الميراث إذ بينا
على طريق الرمز والإشارة ملخصاً بأوجز العبارة
(3) سورة يونس 4