والجَدُّ مثلُ الأبِ عندَ فَقْدِهِ في حَوْزِ ما يُصِيبُهُ ومَدِّهِ
(والجَدُّ) الذي لمْ يَدْخُلْ في نِسْبَتِهِ للمَيِّتِ أُنْثَى (مثلُ الأبِ عندَ فَقْدِهِ)؛ أي: الأبِ، (في حَوْزِ ما يُصِيبُهُ) من السدسِ معَ الفرعِ الوارثِ، جامعاً بينَهُ وبينَ التعصيبِ أوْ غيرَ جامعٍ، على ما سَنُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. والإرثُ بالتعصيبِ عندَ عدمِ الفرعِ المذكورِ على ما سَيَأْتِي.
(ومَدِّهِ)؛ أيْ: مَمْدُودِهِ؛ أيْ: رِزْقِهِ المُوَسَّعِ، منْ قَوْلِهِم: مَدَّ اللَّهُ في رِزْقِهِ، وَسَّعَهُ، فيكونُ تأكيداً لقولِهِ: (في حَوْزِ ما يُصِيبُهُ)، ويصحُّ أنْ يكونَ المرادُ بقولِهِ: (وَمَدِّهِ)؛ أيْ: حَجْبِهِ منْ قولِهم: رجلٌ مديدُ القامةِ؛ أيْ: طويلُ الباعِ، فكأنَّ الحاجبَ لِقُوَّتِهِ مديدُ القامةِ، طويلُ الباعِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلكَ فالجدُّ كالأبِ عندَ فَقْدِهِ إِرْثاً وحَجْباً في سِتِّ مسائلَ، اقتصرَ المُصَنِّفُ على ثلاثٍ منها، فذكرَ الأُولَى منها بقولِهِ:
إلاَّ إذا كانَ هُنَاكَ إِخْوَهْ ... لكوْنِهِم في القُرْبِ وَهْوَ أُسْوَهْ
(إلاَّ إذا كانَ هناكَ) معَ الجدِّ (إِخْوَهْ) أشِقَّاءُ أوْ لأبٍ، فليسَ كالأبِ في ذلكَ (لكَوْنِهِم)؛ أي: الإِخوةِ، (في القُرْبِ) إلى الميِّتِ (وهْوَ)؛ أي: الجدُّ، (أُسْوَهْ)؛ أيْ: سواءٌ في جهةٍ واحدةٍ؛ لأنَّهُم فرعُ الأبِ، والجَدُّ أصْلُهُ، فَيَرِثُونَ معهُ على تفصيلٍ سيأتي في بَابِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وأمَّا الأبُ فيَحْجُبُهُم كما سيأتي في الحَجْبِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وأمَّا الإِخوةُ للأُمِّ والجدِّ في حَجْبِهِم سواءٌ، كما سيأتي أيضاً. وذكرَ الثانيَةَ بقولِهِ:
أوْ أَبَوَانِ مَعْهُما زوجٌ وَرِثْ فالأُمُّ للثُّلُثِ معَ الجدِّ تَرِثْ
(أوْ) بمعنى الواوِ؛ أيْ: وإلاَّ إذا كانَ هناكَ (أَبَوَانِ)؛ أيْ: أبٌ وأُمٌّ (مَعَهُمَا)؛ أي: الأبِ والأُمِّ، (زَوْجٌ وَرِثْ)؛ فإنَّ للأُمِّ معَ الأبِ ثُلُثَ الباقي كما تَقَدَّمَ، ومعَ الجدِّ -لوْ كانَ بَدَلَهُ- ثُلُثَ جميعِ المالِ، كما صَرَّحَ بهِ بقولِهِ: (فالأُمُّ للثُّلُثِ معَ الجَدِّ) لوْ كانَ بدلَ الأبِ (تَرِثُ)، فتكونُ المسألةُ زوجاً وأُمًّا وَجَدًّا: فللزَّوْجِ النصفُ، وللأُمِّ الثلثُ كاملاً، وللجدِّ الباقي. ولمْ نَنْظُرْ إلى كَوْنِهَا تأخذُ أكثرَ منهُ؛ لأنَّها أَقْرَبُ منهُ، بخِلافِها معَ الأبِ؛ لأنَّهُما في درجةٍ واحدةٍ كما تَقَدَّمَ.
وذكرَ الثالثةَ بقولِهِ:
وهكذا ليسَ شَبِيهاً بالأبِ ... في زَوْجَةِ المَيْتِ وأُمٍّ وأَبِ
(وهكذا ليْسَ) الجدُّ (شبيهاً بالأبِ في زوجةِ المَيْتِ وأُمٍّ وأَبِ)؛ فإنَّ لها معَ الأبِ ثلثَ الباقي كما تَقَدَّمَ، ولوْ كانَ الجدُّ بدلَ الأبِ كانت المسألةُ زوجةً وأُمًّا وجَدًّا، فيكونُ للأمِّ الثلثُ كاملاً، وللزوجةِ الربعُ، والباقي للجدِّ؛ لأنَّ الجدَّ وإنْ لمْ يُفَضَّلْ عليها التفضيلَ المعهودَ لا مَحْذُورَ في ذلكَ؛ لكَوْنِها أقربَ منهُ، بخلافِها معَ الأبِ كما تَقَدَّمَ.
ولمَّا ذكرَ أنَّ الجدَّ مخالفٌ الأبَ في مُشَارَكَتِهِ الإخوةَ، وكانَ الكلامُ في تفاصيلِ أحوالِ ذلكَ مِمَّا يَطُولُ، أَخَّرَ حُكْمَهُم إلى أنْ يَعْقِدَ لهُ باباً يَخُصُّهُ في المحلِّ اللائقِ بهِ، ونَبَّهَ على ذلكَ بالوعدِ بذِكْرِهِ بقولِهِ:
وحُكْمُهُ وحُكْمُهم سَيَأْتِي ... مُكَمَّلَ البَيَانِ في الحَالاتِ
(وحُكْمُهُ وحُكْمُهُم)؛ أي: الجدِّ والإِخْوَةِ مُجْتَمِعِينَ، (سيأتِي) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى (مُكَمَّلَ البيانِ في الحالاتِ) الآتيَةِ في بابٍ معقودٍ لذلكَ يُسَمَّى (بابُ الجدِّ والإخوةِ).
والرابعةُ مِمَّا خالفَ فيهِ الجدُّ الأبَ: أنَّ الإخوةَ لغيرِ أُمٍّ وبَنِيهِم يَحْجُبُونَ الجَدَّ في بابِ الولاءِ بخلافِ الأبِ.