وسواءٌ أسلمَ الكافرُ قبلَ قسمةِ التركةِ أمْ لا، وسواءٌ بالقَرَابَةِ والنكاحِ والولاءِ، خِلافاً للإمامِ أحمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في المَسْأَلَتَيْنِ؛ حيثُ قالَ: إنْ أسلمَ الكافرُ قبلَ قسمةِ التركةِ وَرِثَ؛ تَرْغِيباً لهُ في الإسلامِ. وقالَ: للمُسْلِمِ يَرِثُ عَتِيقَهُ الكافرَ.
فائدةٌ: اسْتَثْنَى بعْضُهم منْ عدمِ توريثِ المسلمِ من الكافرِ ما لوْ ماتَ كافرٌ عنْ زوجةٍ حاملٍ، ووَقَفْنَا الميراثَ للحَمْلِ، فأَسْلَمَتْ ثمَّ وَلَدَتْ؛ فإنَّ الولدَ يَرِثُهُ، معَ حُكْمِنَا بإسلامِهِ بإِسْلامِها.
قالَ ابنُ الهَائِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: قُلْتُ: والمُتَّجَهُ عدمُ استثناءِ ذلكَ؛ لأنَّهُ وَرِثَ منذُ كانَ حَمْلاً، وهذا مَعْنَى قولِ بعضِ الفُضَلاءِ: لَنَا جَمَادٌ يَمْلِكُ، انْتَهَى. أيْ: لأنَّ العِبْرَةَ في الإرثِ بوقتِ الموتِ، والحملُ كانَ وقتَ الموتِ مَحْكُوماً بكُفْرِهِ، فلمْ يَرِثْ مسلمٌ منْ كافرٍ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولَمَّا كانَ التعبيرُ بالفهمِ يَقْتَضِي سَبْقَ شيءٍ يُفْهَمُ قالَ: (فَافْهَمْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ ما قُلْتُهُ لكَ؛ أي: اعْلَمْهُ عِلْماً جازماً؛ بدليلِ قَوْلِهِ: (فَلَيْسَ الشَّكُّ) وهوَ التَّرَدُّدُ بينَ حُكْمَيْنِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهِما على الآخرِ (كاليقينِ)؛ أي: الحكمِ الجازمِ.
فَائِدَتَانِ:
الأُولَى: هل الكفرُ مِلَّةٌ واحدةٌ أمْ مِلَلٌ؟
الأصحُّ منْ مَذْهَبِنَا أنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ، وهوَ مذهبُ الحَنَفِيَّةِ. والثاني: الكفرُ مِلَلٌ، وهوَ مذهبُ المالكيَّةِ والحَنابِلَةِ، قَالا: والنَّصَارَى مِلَّةٌ، واليهودُ مِلَّةٌ، وما عَدَاهُما مِلَّةٌ. ولِكُلٍّ من القَوْلَيْنِ دليلٌ مذكورٌ في المُطَوَّلاتِ.
الفائدةُ الثانيَةُ: بَقِيَ منْ موانعِ الإرثِ ثلاثةٌ أيضاً؛ أَحَدُها: اختلافُ ذَوِي الكفرِ الأصليِّ بالذِّمَّةِ والحَرَابَةِ؛ فلا تَوَارُثَ بينَ ذِمِّيٍّ وحَرْبِيٍّ في الأظهرِ، وِفَاقاً للحَنَفِيَّةِ، وخِلافاً للمَالِكِيَّةِ والحَنابِلَةِ.
وهل المُعَاهَدُ والمُسْتَأْمِنُ كالذِّمِّيِّ أوْ كالحَرْبِيِّ، وَجْهَانِ، أَرْجَحُهُما كَالذِّمِّيِّ، خِلافاً للحَنَفِيَّةِ.
الثاني: الرِّدَّةُ، أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمينَ منها، فلا يَرِثُ المُرْتَدُّ ولا يُورَّثُ. حتَّى ولو ارْتَدَّ أَخَوَانِ مثلاً إلى النَّصْرَانِيَّةِ لا تَوَارُثَ بيْنَهُما.
ومالُ المُرْتَدِّ فَيْءٌ ولوْ كانَ أُنْثَى، خلافاً للحنفيَّةِ. وسواءٌ ما اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسلامِ، أوْ في حالِ الرِّدَّةِ، خلافاً لهم أيضاً؛ حيثُ قالُوا: ما اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسلامِ لِوَرَثَتِهِ المسلمينَ. وسواءٌ أَسْلَمَ قبلَ قسمةِ التركةِ أمْ لا، خلافاً للحَنَابِلَةِ. ولا يَتَنَزَّلُ لُحُوقُهُ بدارِ الكفرِ نَزْلَةَ مَوْتِهِ، خلافاً للحنفيَّةِ. والزَّنْدَقَةُ كالرِّدَّةِ خلافاً للمالكيَّةِ. والذِّمِّيُّ الذي لا وارثَ لهُ يَسْتَغْرِقُ يكونُ مَالُهُ أو الفاضلُ بعدَ الفروضِ فَيْئاً.
الثالثُ: وهوَ آخِرُ الموانعِ السِّتَّةِ، الدَّورُ الحُكْمِيُّ، وهوَ: أنْ يَلْزَمَ من التَّوْرِيثِ عدَمُهُ، كأنْ يُقِرَّ أخٌ حائزٌ بأبٍ للمَيِّتِ، فَيُثْبِتُ نَسَبَهُ ولا يَرِثُ للدَّوْرِ.
وفي الإقرارِ مباحثُ كثيرةٌ وخلافٌ بينَ الأئِمَّةِ، فَرَاجِعْهُ فِي كِتَابِنَا (شَرْحِ الترتيبِ)، واللَّهُ أعلمُ.
تَنْبِيهٌ: في قَوْلِي: (الذي قَامَ بهِ سببُ الإرْثِ)، بعدَ قولِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ) إيماءٌ إلى أنَّ اللِّعَانَ ليسَ بمانعٍ، خلافاً لمَنْ زعمَ ذلكَ. فإنَّ انتفاءَ الإرثِ فيهِ بينَ المُلاعِنِ وبينَ مَنْ يُدْلِي بهِ وبينَ المَنْفِيِّ لانتفاءِ السببِ، وهوَ النَّسَبُ، وليْسَتْ أُمُّهُ ولا عَصَبَتُهَا عَصَبَةً لهُ، خلافاً للإمامِ أحمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
وتَوْأَمَا اللعانِ لَيْسَا بشقيقَيْنِ خلافاً للمالكيَّةِ. وتَوْأَمَا الزِّنَى لَيْسَا بشقيقَيْنِ عندَ الأئِمَّةِ الأربعةِ. وإذا أَكْذَبَ النافي نَفْسَهُ –ولوْ بعدَ موتِ المُورِّثِ– ثبتَ النَّسَبُ، وتَرَتَّبَ عليهِ مُقْتَضَاهُ، ولا التفاتَ للتُّهْمَةِ، ولوْ كانَ ذلكَ بعدَ القسمةِ. وبهِ قالَ الشافعيُّ. وهوَ قياسُ مذهبِ الإمامِ أحمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.