تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث أحمد بن عبد العزيز الحريري - وكان في خزانة أحمد بن طولون ومعه قدم من العراق - قال: فرق أبو الجيش كسوة أبيه على حاشيته، فلحقني منها نصيب، فما خلا شيء مما صار إلي من رفء

50

ووجدت في بعضها رقاعا.

قال مؤلف هذا الكتاب: [كان أحمد بن طولون] يقول كثيرا: ينبغي للرئيس أن يجعل اقتصاده على نفسه وتسمحه على شمله وقاصديه، فإنه يملكهم بذلك ملكا لا يزول به عن قلوبهم، ولا تفسد معه سرائرهم في نصحه وموالاته وحسن طاعته. وهذه كانت صورته، رحمه الله.

قال: وحدثنا عبد الله بن الفتح أن نحريرا الخادم غلام المعتمد حدثه أنه لما ورد الخبر بوفاة أحمد بن طولون على المعتمد بكى حتى خيف على عينيه، وعج حتى رحمه جماعة خاصته وشمله، وحرم شرب النبيذ. وكان لميله إلى أحمد بن طولون ومحبته إذا قعد للشرب جعلت بين يديه صينية فيها خردادي

51

وقدح وكوز ومغسل، كل ذلك بلور على اسم أحمد بن طولون، فإذا شرب ندماؤه ملأ الغلام من الخردادي الذي في تلك الصينية قدحا ومضى به، ولا يزال يفعل ذلك إلى أن ينصرف الندماء، وكلما فرغ الخردادي ملئ إلى أن يسكر المعتمد.

فلما مات وحزن عليه وامتنع من الشرب وأقام كذلك مدة طويلة لم يزل ندماؤه يتلطفون له ويخاطبونه بما يسليه، ويسهل أمره عليه، ويعاونهم على ذلك أقرب الناس منه، وعياله وولده وخاصته حتى نصب مجلسه، فلما فقد صينية أحمد بن طولون من مجلسه، كانت على رسمها فيه، عاود البكاء عليه والنحيب، وخرج إلى أكثر مما كان خرج إليه في الابتداء، ورفع المجلس والنبيذ بين يديه، ولم يزل على ذلك أيضا مدة طويلة، ورثاه فقال:

إلى الله أشكو أسى

عراني كوقع الأسل

عل رجل أروع

ترى فيه فضل الرجل

شهاب خبا وقده

وعارض غيث أفل

شكت دولتي فقده

وقد كان زين الدول

إذا أمه القاصدو

ن حباهم جميع الأمل [قلت لعبد الله] بن الفتح: ما توهمت أن المعتمد يقيم شعرا؛ لأني أنشدت أشعارا لم أرضها. فقال: كان يمزح بأشعار

52

فإذا شاء جود.

وحدث علي بن يحيى بن أبي منصور، وكان خاصا بالموفق ومقدما عنده، قال: رأيت الموفق في الساعة التي ورد عليه فيها وفاة أحمد بن طولون، وقد استرجع ووجم، وظهر منه عليه كآبة لم أرها ظهرت منه قط لموت قريب ولا ولي حميم مخلص، فقلت له: ما توهمت أنه يرد عليك شيء أسر من نعي أحمد بن طولون! فما هذا الغم العظيم الذي قد جرى، وجرى في غير موقعه؟ فقال لي: دعنا من هذا وافهم عني ما أقوله لك: كان هذا الرجل مخالفي، والخلاف يزيد وينقص، وأعظمه خلاف استباح فيه مخالفتي ما أيسر فيه [؟] وغلبني عليه، وأسهله خلاف أحسن فيه مخالفتي بتدبير ما احتازه منه فأدى إلى عمارته، وكان خلاف أحمد بن طولون لي أحب من طاعة من يطيعني ويستبيح أموالي ويخرب بلداني، فخلاف من يحسن تدبير ما في يديه أحب إلي من موالاة من يحتوي على من وكلته إليه وتذم العاقبة فيه بسوء تدبيره وقبح أفعاله. وكان هذا الرجل، رحمه الله، يدبر ما قلده كما يدبر المالك ملكه، ويحوطه حياطته لنفسه، ثم لم يخرج عن طاعة ولا أجرى عن حال مذمومة؛ رعيته شاكرون ومعاملوه حامدون، وبه متبركون، وأعماله عامرة، وأموالها على يديه راخية، وأصحابه مغتبطون به، حسن السياسة، جميل الفعل، كثير المعروف، فلما قلده أخي نواحيه؛ خراجها ومعاونها، ضبط جميع ذلك ضبط جزل محتاط، فتزايدت أفعاله الجميلة فيها، على ما كان منه متقدما، ثم أقدمني أخي من مكة على كره مني لذلك، وكان مقامي بها أحب إلي وأروح لنفسي ... هذا لما عاينته وما كابدته، فلما قدمت إليه رأيت أمو[ر الدولة] مضطربة على غاية من الاضطراب والانحلال، حتى إنه كاد الأمر أن يخرج عن أيدينا بقلة ضبطه لأمر دولته، وسلوكه ما لا يحب فيها، فاجتهدت في جمع شتات هذه الدولة، ورأيت أمير المؤمنين أخي المؤكد لي البيعة رجلا لاهيا، مقبلا على لذاته، مشتغلا بأفراحه، لا يشغله عن ذلك شيء من أمر دولته ولا يفكر فيه، قد ألقى أموره إلى من استبد بها دونه، واجترأ عليها واشتغل بمصالح نفسه وما عاد لمحبيه، ولا يفكر في عاقبة ولا يتخوف من حادثة.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٩٥