اعلم أنه لما جرى على المعتمد من الموفق ما جرى، من سوء الاعتراض والقدح في السلطان، بلغ ذلك منه مبلغا عظيما، فألف كلاما بالتركية، وقال لي: أريد أن ألقيه على [إحدى] جواريك، وتلحنيه أنت لها، وتغنيه حتى أسمعه منها، فأحضرت جواري فاختار منهن رويعة فألقاه عليها، فوالله ما سمعت أرق منه ولا أشجى، فلحنته لها فكان صوته عليها إلى أن اعتل، وتعلمه أيضا جواريه، فما كان يسمعه أحد إلا أبكاه وأوجع قلبه، فسألتها أن تسمعنيه، وكانت فصيحة بالتركية فقالت لي: ليس تفهمه لأنه كلام بالتركية مؤلف، ولكني إذا أنت سمعته فسرته لك بالعربية، ثم أحضرت رويعة جاريتها فغنته بلحن شجي وإيقاع حسن، فأبكاني وآلم قلبي، وما سمعت [صوتا] من المناحات أحرق منه للقلوب، وفسرته لي فكان:
غلب الضباب على الشمس حتى صار النهار ليلا،
وضعفت الشمس وانطلقت السماء بما لا يحسن منها،
فبكا الرأس من قهر البدر وصاح: ما خوفي؟ اقطعوني،
وأريحوني بالله من الملعونة، يا سيد الملوك طرا،
يا لعين تراك تقلع، ولسان يخاطبك يقطع، إن سيفي
قد خرج من غمده، وليس يرجع حتى ترجع إلى بيتك،
وقد أوترت قوسي وليس أحطه حتى تكفى أعاديك.
ثم قالت لي: قد سمعت حسنه بالتركية، وهو بالعربية فيه كلام - كما رأيت - غير مستحسن إلا عند من يعرفه بالتركية. فودعتها وانصرفت.
قال مؤلف هذا الكتاب: مات أحمد بن طولون وعمره يومئذ خمسون سنة؛ لأني صرت إلى
43
نعت أم ولده يوما للسلام عليها، فأصبت بين يديها رقاعا قد أخرجتها لشيء تطلبه فيها، فوجدت رقعتين فقالت لي: هاتان الرقعتان بخط الماضي، رحمه الله. وبكت، فسألتها أن تريني إياهما ففعلت، فقرأت إحداهما فإذا فيها: دخلت إلى مصر متقلدا معونتها يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، وقد مضى من عمري أربع وثلاثون سنة ويوم واحد.
وقرأت الرقعة الأخرى فإذا فيها رءوس أربعة أصوات، كان يقترحها على من يغنيه، لا يختار من الأغاني غيرها.
أحدها:
متى تجمع القلب الذكي وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
والصوت الثاني:
رب من أنضجت غيظا صدره
فتمنى لي موتا لم يطع
والصوت الثالث:
طلعت عليك طوالع الوخط
فرضيتهن رضا على سخط
والصوت الرابع:
قد حصت البيضة رأسي فما
أطعم غمصا غير تهجاع
أسعى على جل بني مالك
كل امرئ في شأنه ساع
فبكيت وبكت ساعة، وجلست عندها طويلا، فلما أردت الانصراف قالت لي: أنا آنس بمحادثتك، لعلمي بغمك على الماضي، رحمه الله، فأحب ألا تغبني. فكنت أصير إليها في كل وقت.
قال: وخلف من الولد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا وست عشرة أنثى، فأما الذكور فأبو الفضل العباس، وهو أكبر ولده، وأبو الجيش خمارويه بعده، وأبو العشائر مضر، وأبو المكرم ربيعة، وأبو المقانب شيبان، وأبو ناهض عياض، وأبو معد عدنان، وأبو الكراديس خزرج، وأبو حبشون عدي، وأبو شجاع كندة، وأبو منصور أغلب، وأبو لهجة ميسرة، وأبو البقاء هدى، وأبو المفوض غسان، وأبو الفرج مبارك، وأبو عبد الله محمد، وأبو الفتح مظفر.
والبنات: فاطمة، ولميس، وتعلب [؟]، وصفية، وخديجة، وميمونة، ومريم، وعائشة، وأم الهدى، ومؤمنة، وعزيزة، وزينب، وسمانة، وسارة، وغريرة.
وخلف من المال العين ما قد ذكرناه متقدما، ومن الغلمان أربعة وعشرين ألف غلام، وأطبقت جريدة مواليه على سبعة آلاف رجل، وخلف من الخيل الميدانية سبعة آلاف رأس، ومن الجمال ثلاثة آلاف جمل، ومن البغال ألف بغل، ومن الخيل لركابه ثلاثمائة وخمسين فرسا، وخلف من المراكب الحربية مائتي مركب حربي كبار بآلتها.
وكان خراج البلد يومئذ مع ما ينضاف إليه من مال الضياع التي كانت للأمراء بالحضرة أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف دينار.
44
وخلف من الأمتعة والفرش والآلة والأواني وآلات السفر ما لا يحصى كثرة ولا يعد ولا يحد، ولا يدرك كثرة واتساعا.