قال أحمد بن محمد الواسطي: فعجبت من قوله، وازددت حذرا له وخوفا منه، وكان ابن عمار البائس قد ظن بإخراجه إياه إليه، ومشاورته له وما محضه من النصيحة في مشورته، أن في ذلك فرجه وخلاصه وانحلال عقدته، فلما رده إلى الحبس أيس مما كان يتوقعه من الفرج، وصدع قلبه الغم فمات.
قال مؤلف هذا الكتاب: وورد كتاب طيفور خليفة أحمد بن طولون من الحضرة يذكر وصول رسول أحمد بن طولون وكتابه إلى المعتمد والمال المسفتج،
48
وأنه خارج إليه مع المعتمد، ويذكر في كتابه أن يتأهب لموافاته إليه كما استدعاه، فقد تم عزمه على المسير إليه، وأنا بين يديه أخدمه إلى أن يصل إليك إن شاء الله.
فلما قرأ أحمد بن طولون كتابه بذلك، أحضر شيوخ كتابه وقواده وشيوخ البلد، وأحضر ابنه أبا الجيش فاستخلفه على البلد، وخلف معه جماعة من شيوخ قواده منهم محمد بن أبا وغيره، ووصاه باتباع أمرهم ووصاهم به، وأكد على الجماعة في مراعاة البلد والرعية، والمحافظة على ما يكون منه تمام السياسة واستقامة الحال وحسن الأحدوثة، وحذر ابنه من التشاغل بلهو أو بشيء غير ما قلده إياه، وخرج إلى الشام وحمل معه ابنه العباس مقيدا في قبة، وهو يظهر في قوله وفعله أن خروجه لنصرة المعتمد، والكامن في صدره لؤلؤ غلامه، وهو يود أن الأرض طويت له إليه، أو قذفته بين يديه، وهو على غاية من الكآبة والغم بأمره، وكان قد استقر عنده أن الموفق قد أنفذ إليه الخلع، وأنها قد وصلت إليه، ولم يتحقق وصوله هو إليه، فلما بلغ الرملة صح عنده دخول لؤلؤ العراق، وذلك في آخر سنة ثمان وستين ومائتين.
وكان محمد بن سليمان كاتب لؤلؤ من أحذر الناس من أحمد بن طولون وأشدهم فزعا منه، لمقدمات كان يعرفها منه؛ منها أن أحمد بن طولون كان يؤدب الكاتب كثيرا على ذنب الصاحب، ومنها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه يكنس قصره داخله وخارجه بمكنسة في يده، فلما انتبه طلبه ليبدأ به، فلخوف لؤلؤ عليه من حال لعلها تأتيه ولم يعلم بالرؤيا أخفاه، وقال: وجهت به في مهم لي وأنا أوجه أحضره. وأمره بالخروج إلى الشام يتقدمه.
49
وإنما أراد أحمد بن طولون أن يعمل في أمر محمد بن سليمان، كما صنع في أمر صنم كان في عين شمس،
50
وذلك أنه كان بعين شمس صنم على مقدار الرجل المعتدل الخلق من كذان
51
أبيض حسن الصورة، يخيل لمن استعرضه أنه ينطق. فحدث إبراهيم بن كامل المصور
52
أنه وصف لأحمد بن طولون فأحب رؤيته، فقال له خادم له نصراني ثقة عنده في جميع أحواله في داره، يقال له ندوسة: ما أختار [أن] يراه الأمير، أيده الله. فقال له: ولم؟ قال: لأنه ما رآه وال قط إلا عزل. فركب إليه في سنة ثمان وخمسين ومائتين فتأمله، فلما رآه أحضر القطاعين وأمرهم أن يجتثوه من الأرض، فوضعوا الفئوس عليه، فلم يتركوا منه عضوا صحيحا على الأرض، حتى درس وعفا خياله وذرى ما بقي حياله في الصحراء، ثم دعا بندوسة خادمه فقال له: يا ندوسة، من صرف [منا] صاحبه؟ فقال: أنت أيها الأمير، صرف الله عنك كل محذور. وعاش أحمد بن طولون بعده اثنتي عشرة سنة [أميرا]، وإنما حمل محمد بن سليمان الخوف منه والحذر على أن حسن لصاحبه لؤلؤ الذهاب عنه إلى الموفق، لتسلم منه نفسه ويأمن عليها من مكروهه.
قال مؤلف هذا الكتاب: فلما بلغ أحمد بن طولون إلى دمشق، وشاع الخبر بحركة المعتمد إلى مصر، أقام أحمد بن طولون بدمشق مترقبا له، حتى وافاه خبر المعتمد مع رسوله النافذ كان إليه بالمال، يخبره بحركته إليه، وقد فصل من الحضرة، وأنه يسلك على طريق البرية إلى مصر بمن خف معه من ثقاته، فاضطرب أحمد بن طولون لذلك، وتندم على مكاتبته بما حركه على المسير إليه، وتبين كل ما ذكره له ابن عمار أنه يكون كله، فقلق لذلك وتصبر له، حتى أتى من إقباله ما لم يكن في حسبانه، وبما جرت به عادة الله، جل اسمه، عنده.